تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢
ذلك . ففي تلك الحال وصل كتاب من فارس بخمود النار ، فازداد كسرى غمّا إلى غمّه وفي تلك الحال قام الموبذان [ 1 ] وقص الرؤيا التي رآها ، قال : رأيت - أصلح الله الملك - كأنّ إبلا ضعافا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها فقال له كسرى : فأيّ شيء يكون تأويل هذا ؟ قال أصلح الله الملك ، حادث يحدث من جهة العرب وفشا الحديث بذلك بين العجم وتحدّث به الناس فسكن الرّعب قلوبهم وثبتت هيبة العرب في نفوسهم . ثم تتابعت أمثال هذه المنذرات الخواذل إلى آخر الأمر : فإنّ رستم لما خرج لمحاربة سعد بن أبي وقّاص رأى في منامه كان ملكا قد نزل من السماء ، وجمع قسيّ الفرس وختم عليها وصعد بها إلى السماء ، ثم انضمّ إلى ذلك ما كانوا يشاهدونه من سداد منطق العرب ، وطمأنينة نفوسهم ، وشدّة صبرهم على الشدائد ثم ما جرى في آخر الأمر من اختلاف كلمتهم بعد موت شهريار وجلوس يزدجرد على سرير المملكة وهو صبيّ حدث ضعيف الرأي . ثم الطّامّة الكبرى وهي انعكاس الريح عليهم في حرب القادسيّة ، حتى أعمتهم بالغبار وعمّتهم بالدمار ، وفيها قتل رستم [ 2 ] وانفلّ جيشهم . فانظر إلى هذه الخواذل ، واعلم أن للّه أمرا هو بالغه .

شرح الحال في تحيّز الجيش إلى العراق واستخلاص الملك من الفرس

كان ثغر [ 3 ] فارس من أثقل الثّغور على العرب ، وأعظمها في نفوسهم وأكثرها هيبة . وكانوا يكرهون غزوة ويجنبون عنه استعظاما لشأن الأكاسرة ، ولما هو مشهور من تدويخهم الأمم ، حتى كان آخر أيام أبي بكر - رضي الله عنه - فقام رجل من الصحابة يقال له : المثنّى [ 4 ] بن حارثة - رضي الله عنه - وندب
هامش
[ 1 ] الموبذان : حكيم الحكماء باللغة الفارسيّة . [ 2 ] رستم : آخر قوّاد الفرس ، هزمه سعد بن أبي وقّاص في القادسيّة . [ 3 ] الثّغر : مصطلح قديم لمنطقة الحدود والتناحر مع الأعداء . [ 4 ] المثنّى بن حارثة : صحابيّ وقائد ، نسبه إلى بني شيبان . غزا بلاد فارس في أيّام أبي بكر ، وأمدّه بخالد بن الوليد لفتح العراق وفارس . توفي متأثرا بجراحة عام / 14 / ه .