تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
كذبا ، فإن كانوا كاذبين فإن قوما يحفظون أسرارهم هذا الحفظ ، ولا يختلفون في شيء . وقد تعاهدوا على كتمان سرّهم هذا التعاقد ، بحيث لا يظهر أحد سرّهم - لقوم في غاية الشدّة والقوة وإن كانوا صادقين فهؤلاء لا يقف حذاءهم أحد . فصاحوا حوله ، وقالوا : الله الله أن تترك ما أنت عليه لشيء رأيته من هؤلاء الكلاب ، بل صمّم على حربهم . فقال رستم : هو ما أقول لكم . ولكنني معكم على ما تريدون . ثم اقتتلوا أياما كان في آخرها انعكاس الريح عليهم حتّى أعماهم الغبار ، فقتل رستم ، وانفلّ [ 1 ] الجيش ، وغنمت أموالهم وأجفل [ 2 ] الفرس يطلبون مخاضات دجلة ليقعوا في الجانب الشرقيّ وقد تبعهم سعد عبر المخاضات ، وقتل منهم مقتلة عظيمة أخرى بجلولاء [ 3 ] ، وغنم أموالهم وأسر بنتا لكسرى ثم كتب سعد إلى عمر - رضي الله عنهما - بالفتح ، وقد كان عمر في تلك الأيّام شديد التطلّع إلى أمر الجيش ، فكان كلّ يوم يخرج إلى ظاهر المدينة راجلا يتنسم الأخبار ، لعلّ أحدا يصل فيخبره بما كان منهم ، فوصل البشير من عند سعد بالفتح فرآه عمر فقال له : من أين جئت ؟ قال : من العراق ، قال : فما فعل سعد والجيش ؟ قال : فتح الله عليهم . كلّ ذلك والرّجل سائر على ناقته وعمر يمشي في ركابه ، وهو لا يعلم أنه عمر . فلمّا اجتمع الناس وسلّموا على عمر بإمرة المؤمنين عرفه البدويّ فقال : هلا أعلمتني - رحمك الله - أنّك أمير المؤمنين ؟ قال : لا بأس عليك يا أخي . ثمّ كتب عمر إلى سعد : قف مكانك ولا تتبعهم ، واقتنع بهذا ، واتّخذ للمسلمين دار هجرة ومدينة يسكنونها ، ولا تجعل بيني وبينهم بحرا ، فاتّخذ لهم سعد الكوفة ، واختطّ بها المسجد الجامع ، واختط الناس المنازل ومصرّها [ 4 ] سعد ، ثم حكم في المدائن ، وملك الكنوز والذّخائر .
هامش
[ 1 ] انفلّ الجيش : هزم وتفرّق فلو لا . [ 2 ] أجفل : خاف وفزع . [ 3 ] جلولاء : موقع بين العراق وبلاد فارس فيه انتصر المسلمون على يزدجرد الثالث آخر الملوك الساسانيّين . [ 4 ] مصرها : جعلها مصرا أي مدينة للإقامة بها .