تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤
ومما يجب على الملك الفاضل : إمعان النظر في أمر الأسرار ، وصونها وتحصينها وحراستها من الإفشاء والذّياع ، وهذا باب يحتاج فيه إلى التّأني التامّ ، فكم من مملكة خربت وكم من نفس تلفت بسبب ظهور سر واحد ! وحفظ السرّ وكتمانه من أفضل ما اعتنى به الإنسان ، فمما جاء في ذلك في الحديث « من كتم سرّه ملك أمره » وقال علي - عليه السلام - « الرأي تحصين السرّ » . أسرّ بعض الناس إلى رجل حديثا وأمره بكتمانه ، فلما انقضى الحديث قال له : فهمت ؟ قال : نسيت . وقال عمرو بن العاص [ 1 ] : إذا أفشيت سرّي إلى صديقي فأذاعه كان اللوم لي لا له . قيل له : وكيف ذلك ؟ قال : لأنّي أنا كنت أولى بصيانته منه . ومن أناشيد هذا الباب :
إذا ضاق صدر المرء عن سرّ نفسه * فصدر الّذي يستودع السرّ أضيق
( طويل ) قالوا : لا ينبغي أن يكون سرّ الملك إلا عند واحد ، فإنه إذا كان عند واحد كان أحرى ألا يظهر ، إما رغبة وإما رهبة ، لأنه إن ظهر تحقّق الملك أن ظهوره قد كان من جهة ذلك الرجل ، ومتى كان السرّ عند جماعة ثم ظهر ، أحال كلّ واحد منهم على الآخر ، فإن عاقبهم الملك جميعا كان قد ظلمهم إلا واحدا ، وإن ترك معاقبتهم طمعوا وتطرّفوا على إفشاء أسراره . قال الشاعر :
وسرّك ما كان عند امرئ * وسرّ الثلاثة غير الخفي
( متقارب ) فإن احتاج الملك إلى إظهار سرّه لجماعة فأصلح ماله أن يفضي به إلى كلّ واحد منهم على سبيل الانفراد ، ويوصيه بالكتمان ويوهمه أنّه ما أفضى إلى غيره به ، فذلك أجدر لأن ينكتم السر . شاور بعض ملوك الفرس وزراءه في أمر ، فقال واحد منهم : لا ينبغي للملك أن يستشير بأحدنا إلا خاليا به ، فإنه أكتم للسرّ
هامش
[ 1 ] عمرو بن العاص : قائد عربي شهير ، فتح مصر وبنى فيها مدينة الفسطاط في عهد عمر بن الخطاب . نصر معاوية بدهائه . توفي عام / 43 / ه .