تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
أشد من الرئاسة . كما أن سياسة الخدمة أشدّ من الخدمة . وكما أن التوقّي بعد شرب الدواء أشدّ من الدواء . كذلك ربّ الصنيعة ، أشدّ من الصنيعة ، وعلى الرئيس أن يصبر على مضض الرئاسة . قال بعض حكماء الترك ، ينبغي أن يكون في قائد الجيش عشر خصال من أخلاق الحيوان - جرأة الأسد ، وحملة الخنزير [ 1 ] ، وروغان الثعلب ، وصبر الكلب على الجراح ، وغارة الذّئب ، وحراسة الكركي ، وسخاء الدّيك وشفقة الدّجاجة على الفراريج ، وحذر الغراب ، وسمن تعرو ، ( وهي دابة تكون بخراسان تسمن على السّفر والكمد ) . قالوا : والفاضل من طلاب الرئاسة هو الّذي يكون مطبوعا على المعرفة ، مخلوقا فيه صحة التمييز مكتسبا للعلم بما جرى في الدنيا من تصاريف الدهور ، وتنقّل الدّول عارفا بمداراة الأعداء كتوما لشرّه ، إذا كان قطب السياسة عليه يدور . وأن يستمدّ لعقله من عقول العقلاء ، فإنّ العقل الفرد لا يقوم بنفسه . وينبغي أن يكون ذا رويّة عند اشتباه الآراء ، وعزيمة عند اختلاف الأهواء ، حتى يكشف . وأما الحزم فهو الأصل الّذي يبني عليه في تحصين المملكة . وقد كان يجب تقديمه وذكره في أوّل الكتاب عند أخواته من الخصال المحمودة ، ولكن العقل يشتمل عليه ويستلزمه ، فأكتفي بذكره عنه . ولا بأس بذكر نبذة في هذا الموضع منه . قالوا : أحزم الملوك من ملك جدّه هزله ، وقهر رأيه هواه ، وعبّر عن ضميره فعله ، ولم يختدعه رضاه عن حظّه ، ولا غضبه عن كيده . وكان يقال : الحازم من الملوك من يبعث العيون [ 2 ] على نفسه ويتفقدها ، حتى لا يكون الناس بعيبه أعلم منه بعيب نفسه . وقالوا : أحزم الملوك من حمل رعيّته على التخلّق بأخلاقه ، والتأدب بآدابه ، بالرفق والتوصّل الحسن والتأنّي اللطيف . وخطر لي في هذا المعنى سرّ لطيف وهو أنّ الرعيّة إذا تدرّجوا إلى التخلّق بأخلاق الملك والتأدّب بآدابه ، صاروا مستحسنين لصادرات أحواله وأفعاله لأنّهم هم يفعلونها ويعتمدونها
هامش
[ 1 ] الحملة : الهجمة الشرسة . [ 2 ] العيون : قصد بها الجواسيس .