تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
فأطلقنا شاهينا فعلا وانحطّ على الأعلى من الكراكيّ فلطمه ، فوقع على الثاني فكسره ، ثم وقعا كلاهما على الثالث فكسراه ، ووقعت الثلاثة بين يدي السّلطان ، قال : فتعجّب من ذلك غاية العجب ، وخلع علينا جميعنا . وقال الصاحب علاء الدين في جهان كشاي : إن حلقة جنكزخان كان أمدها مسير ثلاثة شهور . وما أرى هذا إلا مستبعدا . وما لهج الملوك بالصيد هذا اللهج الشّديد . ولا كلفوا به هذا الكلف العظيم . وأطلقوا للبازياريّة الأموال الجليلة ، وأقطعوهم الإقطاعات السنيّة ، وسهّلوا عليهم حجابهم ، وقطعوا معظم زمانهم فيه باطلا ولا عبثا . فإنّ القنص يشتمل على فوائد كثيرة جليلة النّفع . منها - وهو الغرض الأشرف منه - تمرين العساكر على الرّكض والكرّ والعطف ، وتعويدهم الفروسيّة ، وإدمانهم للرمي بالنشّاب ، والضرب بالسّيف والدبّوس ، واعتياد القتل والسّفك ، وتقليل المبالاة بإراقة الدّماء وغصب النفوس . ومنها اختبار الخيول ، ومعرفة سبقها وصبرها على دوام الركض ومنها أن حركة الصيد حركة رياضية تعين على الهضم وتحفظ صحّة المزاج ومنها : فضل لحم الصيد على باقي اللحوم ، لأنه بقلقه من الجوارح تثور حرارته الغريزيّة ، فتزيد في حرارة الإنسان . قال بعض الحكماء - وخير اللحم ما أقلقه الجارح إقلاقا . ومنها - الطّرف العجيبة التي تتّفق فيه ، وقد تقدم ذكر شيء منها . وكان يزيد بن معاوية أشدّ الناس كلفا بالصّيد ، لا يزال لاهيا به ، وكان يلبس كلاب الصيد الأساور من الذّهب ، والجلال المنسوجة منه ، ويهب لكلّ كلب عبدا يخدمه . قيل : إن عبيد الله بن زياد أخذ من بعض أهل الكوفة أربعمائة ألف دينار جباية وجعلها في خزن بيت المال . فرحل ذلك الرجل من الكوفة وقصد دمشق ليشكو حاله إلى يزيد - وكانت دمشق في تلك الأيام فيها سرير الملك - فلما وصل الرجل إلى ظاهر دمشق ، سأل عن يزيد فعرفوه أنه في الصيد ، فكره أن يدخل دمشق وليس يزيد حاضرا فيها . فضرب مخيّمه ظاهر المدينة وأقام به ينتظر عود يزيد من الصيد . فبينما هو في بعض الأيام جالس في خيمته ، لم يشعر إلا بكلبة قد دخلت عليه الخيمة ، وفي قوائمها الأساور الذّهب ،