تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
وها هنا موضع حكاية . تقدم نور الدين [ 1 ] صاحب الشأم إلى أسد الدين شيركوه [ 2 ] عمّ صلاح الدين يوسف بن أيّوب بالتوجّه إلى مصر لأمر ندبه إليه فقال أسد الدين شيركوه : يا مولانا . ما أتمكن من هذا دون أن يجيء صحبتي يوسف ابن أخي - يعني صلاح الدين - قال فتقدّم نور الدين إلى صلاح الدين بالتوجّه صحبة عمّه أسد الذين شيركوه ، فاستعفاه صلاح الدين من التوجّه وقال : ليس لي استعداد . فتقدم نور الدين بإزاحة علله ، وجزم عليه في التوجّه قال صلاح الدين فخرجت مع عمّي كارها وأنا كمن يقاد إلى المذبح ، فلمّا وصلنا مصر وأقمنا بها مدّة ، كان منّي ما كان من تملّك مصر ، ثم ملكها صلاح الدين وعرضت مملكتها ، وتملّك الشأم [ 3 ] وسيأتيك نبأ هذا مفصّلا مشروحا عند الكلام على الدولة الصلاحيّة إن شاء الله تعالى ووفق ما قالوا : العدوّ عدوّان ، عدوّ ظلمك ، وعدوّ ظلمته . فأما العدوّ الّذي ظلمته ، فلا تثق إليه واحترز منه مهما أمكنك ، وأما العدو الّذي ظلمك ، فلا تخفه كلّ الخوف ، فإنه ربما استحيا من ظلمك وندم ، فرجع لك إلى ما تحبّ منه وإن أصرّ على ظلمك انتصف لك منه من إليه يلجأ المظلومون . وربّما نفع العدوّ وضرّ الصديق ! قال الإسكندر [ 4 ] : انتفعت بأعدائي أكثر مما انتفعت بأصدقائي ، لأن أعدائي كانوا يعيّرونني ويكشفون لي عيوبي ، وينبهونني بذلك على الخطأ فأستدركه . وكان أصدقائي يزيّنون لي الخطأ ويشجّعونني عليه وقال الشاعر :
وما ساءني إلا الذين عرفتهم * جزى الله خيرا كلّ من لست أعرف
( طويل ) وقيل للإسكندر : بم نلت هذه المملكة العظيمة على حداثة السنّ ؟ قال : باستمالة الأعداء وتصييرهم بالبرّ والإحسان أصدقاء . وتعاهد الأصدقاء أعظم الإحسان وأبلغ الإكرام .
هامش
[ 1 ] نور الدين : هو ابن عماد الدين زنكي . حاكم حلب بعد اغتيال أبيه . ملك الشام ومصر وحارب الصليبيين وانتزع منهم الرّها وبانياس وضمّ إليه الموصل . توفي ودفن في دمشق ، سنة / 569 / ه . [ 2 ] أسد الدين شيركوه بن شاذي ، أضحى وزير العاضد الفاطمي في مصر بعد خدمته لنور الدين توفي / 564 / ه . [ 3 ] الشأم : لغة في الشّام ، مثل الشام ، وهي مشهورة جدّا في البلاد . [ 4 ] الإسكندر : هو الإسكندر المقدوني أو الكبير ، من أشهر الغزاة الفاتحين لقبه ذو القرنين هزم داريوس ملك الفرس واحتلّ مصر وأسّس الإسكندرية . مات في بابل عام / 323 / قبل الميلاد .