تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 318

مساهمون:

ص٣١٨
فيه ، غير مهيب في النفوس ، ولا مطّلع على حقائق الأمور ، وكان زمانه ينقضي أكثره بسماع الأغاني والتفرّج على المساخرة ، وفي بعض الأوقات يجلس بخزانة الكتب جلوسا ليس فيه كبير فائدة ، وكان أصحابه مستولين عليه ، وكلّهم جهال من أراذل العوامّ ، إلا وزيره مؤيّد الدين محمّد بن العلقميّ فإنّه كان من أعيان الناس وعقلاء الرّجال ، وكان مكفوف اليد مردود القول ، يترقّب العزل والقبض صباح مساء . وكانت عادة الخلفاء أكثرهم أن يحبسوا أولادهم وأقاربهم - وبذلك جرت سنّتهم إلى آخر أيّام المستنصر - فلمّا ولي المستعصم أطلق أولاده الثلاثة ولم يحبسهم وهم : الأمير الكبير أبو العبّاس أحمد ، والعامّة تسمّيه أبا بكر ، وليس بصحيح ، وإنما سمّوه بذلك ، لأنّه لمّا نهب الكرخ نسب الأمر في ذلك إليه وقيل إنّه هو الّذي أشار بذلك والأمير الأوسط وهو أبو الفضائل عبد الرّحمن كان شهما ، خرج إلى بين يدي السّلطان هولاكو ، ووقع كلامه بموضع الاستحسان في الحضرة السّلطانية ، والأمير الأصغر أبو المناقب . حدّثني صفيّ الدين عبد المؤمن بن فاخر الأرمويّ - وكان قد صار في آخر أيّام المستعصم مقرّبا عنده ومن خواصّه ، وكان قد استجدّ في آخر أيّامه خزانة كتب ونقل إليها من نفائس الكتب وسلّم مفاتيحها إلى عبد المؤمن ، فصار عبد المؤمن يجلس بباب الخزانة ينسخ له ما يريد ، وإذا خطر للخليفة الجلوس في خزانة الكتب جاء إليها وعدل عن الخزانة الأولى التي كانت مسلّمة إلى الشيخ صدر الدّين عليّ ابن النيّار ، قال ( أعني عبد المؤمن ) : كنت مرّة جالسا في حجرة صغيرة وأنا أنسخ وهناك مرتبة برسم الخليفة إذا جاء إلى هناك جلس عليها ، وقد بسطت عليها ملحفة لتردّ عنها الغبار ، فجاء خويدم صغير ونام قريبا من المرتبة المذكورة واستغرق في النّوم ، فتقلّب حتى تلفّف في تلك الملحفة المبسوطة على المرتبة ثم تقلّب حتّى صارت رجلاه على المسند ، قال : وأنا مشغول بالنّسخ فأحسست بوطء في الدّهليز ، فنظرت فإذا هو الخليفة وهو يستدعيني بالإشارة ويخفّف وطأه ، فقمت إليه منزعجا وقبّلت الأرض ، فقال لي : هذا الخويدم الّذي قد نام حتى تلفّف في هذه الملحفة وصارت رجلاه على المسند متى هجمت عليه حتّى يستيقظ ويعلم أني شاهدته على هذه الحال فتنفطر مرارته من الخوف ، فأيقظه أنت برفق فإنّي سأخرج