تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 225

مساهمون:

ص٢٢٥
من لم يزل للناس غيثا ممرّعا * متخرقا [ 1 ] في جوده معوانا
( كامل ) فلمّا وصل إلى قوله : في جوده ، وقف وارتج عليه ، وصار يكرّر ، في جوده في جوده ، مرارا حتى ضجر أبو عباد ، وغلبت عليه السّوداء فقال : يا شيخ . فقل صفعانا وخلّصنا ، فضحك جميع من كان بالمجلس ، وذهب غيظه هو أيضا فضحك مع الناس وأتمّ الغالبيّ قافيته بقوله معوانا ، ثمّ وصله .

وزارة أبي عبد الله محمّد يزداد بن سويد للمأمون وهو آخر وزرائه

هم من خراسان ، كانوا مجوسا ثم أسلموا ، واتّصلوا بالخلفاء ، وسويد أول من أسلم منهم ، وكان قد مات أبوه وهو صغير ، فأسلمته أمّه إلى بعض كتّاب العجم فنفذ نفاذا محمودا ، وتعلّم آدابا كثيرة من آداب الفرس ، ثم واظب على ملازمة الديوان بمرو [ 2 ] ، وحضر صاحب الديوان في يوم مطير ، وتخلف جميع الكتّاب والنّواب عن الحضور ، وكان سويد جدّ محمّد حاضرا ، فاحتاج صاحب الديوان إلى عمل حسبة فلم يكن عنده بالديوان أحد ، فتولّى هو عملها بنفسه ، وشرع فيها فكتب بعضها ، ثم غلبه نعاس ، وحانت منه التفاتة فرأى سويدا فسلّم الحسبة إليه ، وقال له : احتفظ بها حتى أنتبه ، ثم نام صاحب الديوان فتصفّح سويد الحسبة وتمّمها وبيّضها في نسخة حسنة بخط مليح وضبط صحيح ، وانتبه صاحب الديوان وطلب منه الحسبة فدفعها إليه فوجدها مفروغا منها على أتمّ قاعدة وأحسن وجه ، فقال : يا صبيّ : من عمل هذه الحسبة ؟ قال : أنا . قال : أفتحسن الكتابة ؟ قال : نعم . فأمره بلزوم سدّته [ 3 ] التي كان فيها حسابه وأصول أعماله ، وما يحبّ أن يحتفظ به وقرّر له معيشة ، وتنقّل في الخدمات حتى حصل أموالا جليلة وارتفع قدره ، ثم
هامش
[ 1 ] المتخرّق : المبالغ في العطاء . السخيّ جدّا . [ 2 ] مرو : عاصمة خراسان ومن أشهر مدنها . حولها واحة غنيّة . احتلّها أبو مسلم الخراساني في دعوته للعباسيّين . [ 3 ] أمره بلزوم سدّته : استبقاه في خدمته . والسدّة : كرسيّ الحكم .