تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 227

مساهمون:

ص٢٢٧

شرح الحال في ذلك

كان السبب في غزو المعتصم عمّورية ، أن ملك الروم خرج إلى بلاد المسلمين فنهب حصنا من حصونهم يقال له زبطرة ، وقتل من به من الرجال وسبى الذريّة والنساء فيقال : إنه كان في جملة السّبي امرأة هاشميّة ، فسمعت وهي تقول : وا معتصماه ! فبلغ المعتصم ما فعله ملك الروم بالمسلمين فاستعظمه وكثر عليه ، وبلغه ما قالت الهاشميّة فقال وهو في مجلسه : لبّيك لبيك ! ونهض من ساعته وصاح في قصره : الرّحيل الرحيل ! ثم ركب دابّته وسمط [ 1 ] خلفه شكالا [ 2 ] وسكّة حديد وحقيبة بها زاده ، ثمّ برز وأمر العساكر بالتبريز ، وتجهّز تجهّزا لم يتجهّز بمثله خليفة ، فلما اجتمعت عساكره وفرغ من تجهيزه وعزم على المسير ، أحضر القضاة والشّهود ، فأشهدهم أنه وقف أملاكه وأمواله على ثلاثة أثلاث ، ثلث للّه تعالى وثلث لولده وأقاربه ، وثلث لمواليه ، ثمّ سار فظفر ببعض أهل الروم فسأله عن أحصن مدنهم وأعظمها وأعزّها عندهم ، فقال له الرّومي : إن عمّورية هي عين بلادهم ، فتوجّه المعتصم إليها ، وجمع عساكره عليها ، وحاصرها ثم فتحها ودخل إليها وقتّل فيها وفي بلادهم ، وسبى وأسر وبالغ في ذلك حتى هدم عمّورية وعفّى آثارها ، وأخذ بابا من أبوابها - وهو باب حديد عظيم الحجم - فأحضره إلى بغداد وهو الآن على أحد أبواب الخلافة يسمّى باب العامّة ، وكان قد صحبه أبو تمّام الطائيّ [ 3 ] فمدحه بقصيدته البائيّة التي أولها :
السّيف أصدق أنباء من الكتب * في حدّه الحدّ بين الجدّ واللّعب
( بسيط ) وفيها يقول للمعتصم :
هامش
[ 1 ] سمط خلفه : ضمّ إليه . [ 2 ] شكالا : حبلا . [ 3 ] أبو تمّام الطائي : هو حبيب بن أوس الطائي من أشهر شعراء العصر العباسيّ ، ولد بقرية جاسم من أعمال حوران وكثرت أسفاره حتى قرّبه المعتصم ولزمه ومدحه بأشهر قصائده وهي البائية . له كتاب « الحماسة » وهو مجموعة أشعار اختارها . توفي عام / 231 / ه .