شرح الفتنة بين الأمين والمأمون
كان الفضل بن الرّبيع وزير الأمين قد خلف المأمون لما فعله عند موت الرّشيد بطوس ، من إحضار جميع ما كان في عسكره إلى الأمين بعد أن كان الرشيد قد أشهد به للمأمون ، فخاف الفضل بن الربيع من المأمون أنه إن ولي الخلافة كافأه على فعله فحسّن للأمين خلع المأمون والبيعة لابنه موسى ، واتّفق مع الفضل جماعة على ذلك ، فمال الأمين إلى أقوالهم ، ثمّ إنّه استشار عقلاء أصحابه فنهوه عن ذلك ، وحذّروه عاقبة البغي ونكث العهود والمواثيق ، وقالوا له : لا تجرّئ القوّاد على النكث للأيمان وعلى الخلع فيخلعوك فلم يلتفت إليهم ، ومال إلى رأي الفضل بن الربيع ، وشرع في خدع المأمون باستدعائه إلى بغداد فلم ينخدع ، وكتب يعتذر ، وترددت المراسلات والمكاتبات بينهما حتى رقّ المأمون ، وعزم الإجابة إلى خلع نفسه ، ومبايعة موسى بن الأمين ، فخلا به وزيره الفضل بن سهل وشجّعه على الامتناع وضمن له الخلافة ، وقال : هي في عهدتي فامتنع المأمون ، ونهض الفضل بن سهل بأمر المأمون واستمال له الناس وضبط له الثغور والأمور ، واشتدّت العداوة بين الأخوين : الأمين والمأمون ، وقطعت الدروب بينهما من بغداد إلى خراسان ، وفتّشت الكتب وصعب الأمر ، وقطع الأمين خطبة المأمون في بغداد وقبض على وكلائه ، وكذا فعل المأمون بخراسان ، ونما الشرّ بينهما وكان بقدر ما عند المأمون من التيقّظ والضّبط ، عند الأمين من الإهمال والتفريط [ 1 ] والغفول فممّا يحكى من تفريط الأمين وجهله ، أنه كان قد أرسل إلى حرب أخيه رجلا من أصحاب أبيه يقال له عليّ بن عيسى بن ماهان ، وأرسل معه خمسين ألفا ، فيقال :
إنه ما رئي قبل ذلك ببغداد عسكر أكثف منه ، وحمل السّلاح الكثير والأموال الوافرة وخرج معه مشيعا مودعا ، وكان أوّل بعث بعثه إلى أخيه فمضى عليّ بن عيسى بن ماهان في ذلك العسكر الكثيف ، وكان شيخا من شيوخ الدولة جليلا مهيبا ، فالتقى بطاهر بن الحسين ظاهر الرّيّ [ 2 ] ، وعسكر طاهر حدود أربعة ألف فارس ،
هامش
[ 1 ] التفريط : التضييع للمصلحة .
[ 2 ] الرّيّ : مدينة وإمارة جنوبي طبرستان وبحر قزوين .