ثمّ ملك الأمين : محمّد بن زبيدة
أمّه أمّ جعفر ، زبيدة بنت جعفر بن المنصور ، وليس في خلفاء بني العبّاس من أمّه وأبوه هاشميّان سواه ، كان الأمين كثير اللهو واللّعب ، منقطعا إلى ذلك مشتغلا به عن تدبير مملكته ، قال ابن الأثير المؤرخ الجزري : لم نجد للأمين شيئا من سيرته نستحسنه فنذكره ، وقال غيره : كان الأمين فصيحا بليغا كريما وفيه يقول بعض الشعراء يمدحه ، ويعرّض بهجو المأمون أخيه :
لم تلده أمة * تعرف في السّوق التّجارا
لا ولا ، حدّ ولا خان * ولا في الخزي جارا
( رمل ) يعرّض بالمأمون ، لأن الرشيد كان قد حدّه في خمر .
كان الرّشيد قد بايع للأمين بولاية العهد وللمأمون بعده ، وكتب الكتب بذلك وأشهد فيها الشّهود ، وأرسل نسخها إلى الأمصار ، فعلّقت نسخة من تلك النّسخ على الكعبة وأكّد ذلك بكلّ ما إليه السّبيل ، فلما مات بطوس كان المأمون في خراسان ، ومعه جماعة من أكابر القوّاد ، ووزيره الفضل بن سهل وكان الأمين ببغداد ، وكان الفضل بن الربيع وزير الرشيد مع الرّشيد بطوس ، فلما مات الرشيد جمع الفضل جميع ما في العسكر - وكان الرشيد قد أوصى به للمأمون - وتوجّه الفضل إلى بغداد فاستوزره الأمين ، ثم اشتغل باللهو واللعب ومعاشرة المجّان ، فأشار الفضل بن سهل وزير المأمون على المأمون بإظهار الورع والدّين وحسن السّيرة ، فأظهر المأمون حسن السيرة واستمال القوّاد وأهل خراسان ، وكان كلّما اعتمد الأمين حركة ناقصة ، اعتمد المأمون حركة سديدة ، ثم نشأت العداوة بينهما ، وحسّن الفضل بن الرّبيع وغيره له أن يخلع أخاه المأمون من ولاية العهد ، ويبايع لابنه موسى ، فخلعه وبايع موسى ، وسمّاه الناطق بالحقّ وبسبب ذلك كانت الفتنة ببغداد بين الأمين والمأمون ، وكان في آخرها قتل الأمين .