تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 21

مساهمون:

ص٢١
الانتفاع بكتابه ، ولذلك ترى عامّة الأطباء قد عدلوا عن كتابه إلى « الملكي » السّهل العبارة ، المفهم الإشارة . وهذا كتاب يحتاج إليه من يسوس الجمهور ، ويدبّر الأمور ، وإن أنصفه النّاس أخذوا أولادهم بتحفظه ، وتدبّر معانيه ، بعد أن يتدبّروه هم ، فما الصغير بأحوج إليه من الكبير ، ولا الملك العامّ الطاعة ، بأحوج إليه من ملك مدينة ولا ذوو الملك بأحوج إليه من ذوي الأدب ، فإنّ من ينصّب نفسه لمفاوضة الملوك ، ومجالستهم ومذاكرتهم ، يحتاج إلى أكثر ممّا في هذا الكتاب ، فعلى أقلّ الأقسام لا يسعه تركه . وهذا الكتاب إن نظر بعين الإنصاف رئي أنفع من « الحماسة » التي لهج الناس بها ، وأخذوا أولادهم بحفظها فإنّ « الحماسة » [ 1 ] لا يستفاد منها أكثر من الترغيب في الشّجاعة والضّيافة وشيء يسير من الأخلاق في الباب المسمّى بباب الأدب ، والتأنّس بالمذاهب الشّعرية . وهذا الكتاب يستفاد منه هذه الخصال المذكورة ويستفاد منه قواعد السياسة ، وأدوات الرّئاسة . فهذا فيه ما في « الحماسة » ، وليس في الحماسة ، ما فيه . وإنّه ليفيد العقل قوّة ، والذّهن حدّة ، والبصيرة نورا ، وهو للخاطر الذكيّ بمنزلة المسنّ الجيّد للفولاذ ، وهو أيضا أنفع من « المقامات » [ 2 ] التي الناس فيها معتقدون ، وفي تحفّظها راغبون ، إذ « المقامات » لا يستفاد منها سوى التمرّن على الإنشاء ، والوقوف على مذاهب النظم والنثر . نعم ، وفيها حكم وحيل وتجارب ، إلّا أنّ ذلك ممّا يصغّر الهمّة ، إذ هو مبنيّ على السّؤال والاستجداء والتحيّل القبيح على النّزر الطفيف ، فإن نفعت من جانب ، ضرت من جانب وبعض الناس تنبهوا على هذا من المقامات الحريرية والبديعيّة ، فعدل ناس إلى « نهج البلاغة » من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - عليه السلام -
هامش
[ 1 ] كتاب « الحماسة » لأبي تمّام الطائي الشاعر العبّاسي المشهور المتوفى ترجيحا / 231 / ه ، قيل عنه : إنّه في حماسته أشعر منه في شعره ، إذ كان جيّد الاختيار من أشعار العرب . [ 2 ] المقامات : شكل قديم من أشكال الأدب له شهرته ، ومخترعه الأوّل بديع الزمان الهمذاني واسمه أحمد بن الحسين وكنيته أبو الفضل . توفي عام / 398 / ه .