تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥
قميص مصبوغ ، فلبسه وجلس يباسط جعفر بن يحيى ويمازحه ، وقال : اسقونا من شرابكم فسقوه رطلا ، وقال : ارفقوا بنا فليس لنا عادة بهذا ثمّ باسطهم ومازحهم ، وما زال حتّى انبسط جعفر بن يحيى وزال انقباضه وحياؤه ، ففرح جعفر بذلك فرحا شديدا ، وقال له : ما حاجتك ؟ قال : جئت - أصلحك الله - في ثلاث حوائج ، أريد أن تخاطب الخليفة فيها : أوّلها : أنّ عليّ دينا مبلغه ألف درهم أريد قضاءه وثانيها ؟ : أريد ولاية لابني يشرف بها قدره ، وثالثها : أن تزوّج ولدي بابنة الخليفة فإنّها بنت عمه ، وهو كفء لها ، فقال له جعفر بن يحيى - قد قضى الله هذه الحوائج الثلاث ، أما المال ، ففي هذه الساعة يحمل إلى منزلك ، وأما الولاية ، فقد ولّيت ابنك مصر ، وأمّا الزّواج ، فقد زوجته فلانة ابنة مولانا أمير المؤمنين على صداق مبلغه كذا وكذا ، فانصرف في أمان الله ، فراح عبد الملك إلى منزله فرأى المال قد سبقه ، ولمّا كان من الغد حضر جعفر عند الرشيد وعرّفه ما جرى وأنه قد ولى ابنه مصر وزوّجه ابنته فعجب الرشيد من ذلك وأمضى العقد والولاية ، فما خرج جعفر من دار الرّشيد حتى كتب له التقليد بمصر وأحضر القضاة والشهود وعقد العقد . وقيل : إنّ جعفر بن يحيى كان بينه وبين صاحب مصر عداوة ووحشة ، وكان كلّ منهما مجانبا للآخر ، فزوّر بعض الناس كتابا عن لسان جعفر بن يحيى إلى صاحب مصر ، مضمونه : أنّ حامل هذا الكتاب من أخصّ أصحابنا ، وقد آثر التفرّج في الديار المصريّة ، فأريد أن تحسن الالتفات إليه ، وبالغ في الوصيّة ، ثم أخذ الكتاب ومضى إلى مصر وعرضه على صاحبها ، فلما وقف عليه تعجّب منه وفرح به ، إلا أنه حصل عنده ارتياب وشكّ في هذا الكتاب ، فأكرم الرّجل وأنزله في دار حسنة ، وأقام له ما يحتاج إليه ، وأخذ الكتاب منه وأرسله إلى وكيله ببغداد وقال له : قد وصل شخص من أصحاب الوزير بهذا الكتاب ، وقد ارتبت به ، فأريد أن تتفحّص لي عن حقيقة الحال في ذلك ، وهل هذا خطّ الوزير أم لا ؟ وأرسل كتاب الوزير صحبة مكتوبة إلى وكيله فجاء الوكيل إلى وكيل الوزير وحدّثه بالقصّة وأراه الكتاب ، فأخذه وكيل الوزير ودخل إلى الوزير وعرّفه الحال ، فلما
الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 205 | محمد بن علي بن طباطبا ( ابن الطقطقي ) / عبد القادر محمد مايو