تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
قال الرشيد يوما ليحيى : قد أحببت أن أنقل ديوان الخاتم من الفضل إلى جعفر وقد استحييت من مكاتبته في هذا المعنى ، فاكتب أنت إليه ، فكتب يحيى إلى الفضل : « قد أمر أمير المؤمنين - أعلى الله أمره - أن تحوّل الخاتم من يمينك إلى شمالك ، فأجابه الفضل : « قد سمعت لما أمر أمير المؤمنين في أخي ، وما انتقلت عني نعمة صارت إليه ولا غربت عني رتبة طلعت عليه ! » فقال جعفر : للّه درّ أخي ، ما أكيس نفسه وأظهر دلائل الفضل عليه ، وأقوى منّة العقل عنده ، وأوسع في البلاغة ذرعه ! . قيل : إنّ جعفر بن يحيى البرمكيّ جلس يوما للشرب ، وأحبّ الخلوة ، فأحضر ندماءه الذين يأنس بهم وجلس معهم ، وقد هيّئ المجلس ولبسوا الثياب المصبّغة . ( وكانوا إذا جلسوا في مجلس الشراب واللهو ، لبسوا الثياب الحمر والصّفر والخضر ) ثم أن جعفر بن يحيى تقدّم إلى الحاجب ألّا يأذن لأحد من خلق الله تعالى سوى رجل من النّدماء كان قد تأخّر عنهم ، اسمه : عبد الملك بن صالح [ 1 ] ، ثم جلسوا يشربون ودارت الكاسات وخفقت العيدان ، وكان رجل من أقارب الخليفة يقال له : عبد الملك بن صالح ابن عليّ بن العباس ، كان شديد الوقار والدين والحشمة ، وكان الرشيد قد التمس منه أن ينادمه ويشرب معه ، وبذل له على ذلك أموالا جليلة فلم يفعل ، فاتّفق أنّ هذا عبد الملك بن صالح حضر إلى باب جعفر بن يحيى ليخاطبه في حوائج له ، فظنّ الحاجب أنّه عبد الملك بن صالح الّذي تقدّم جعفر ابن يحيى بالإذن له ، وألا يدخل غيره ، فأذن الحاجب له ، فدخل عبد الملك بن صالح العبّاسي على جعفر بن يحيى ، فلما رآه جعفر كاد عقله يذهب من الحياء ، وفطن أن القضية قد اشتبهت على الحاجب بطريق اشتباه الاسم ، وفطن عبد الملك بن صالح أيضا للقصّة ، وظهر له الخجل في وجه جعفر بن يحيى فانبسط عبد الملك وقال : لا بأس عليكم ، أحضروا لنا من هذه الثياب المصبغة شيئا وأحضر له .
هامش
[ 1 ] عبد الملك بن صالح : اسم لشاعر ماجن عاصر الرشيد وعاشره ومدحه ونادمه ، واسم لأحد أبناء عمّ السفاح والمنصور العباسيين . كان خطيبا فصيحا ، ولّاه الهادي إمرة الموصل . ثم ولاه الرشيد المدينة فمصر فدمشق ، ثم سجنه حتى أطلقه الأمين . توفي بالرقة عام / 198 / .