تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
بختمه ، وأرسل معه ألف ألف درهم ، ونفّذ الدراهم والسّفط إلى منزله ، وأخذ خطّ وكيله بقبضه ، وأقام محمّد في دار الفضل إلى آخر النهار ، ثم انصرف إلى داره ، فوجد السفط ومعه ألف ألف درهم فسرّ بذلك سرورا عظيما ، فلمّا كان الغد بكّر إلى الفضل ليشكره على ذلك فوجده قد بكّر إلى دار الرّشيد فمضى محمّد إلى الرشيد ، فلمّا علم الفضل به خرج من باب آخر ومضى إلى دار أبيه فمضى محمّد إليه وشكره على فعله ، وقال له : إنّي بكرت إليك لأشكرك على إحسانك ، فقال له الفضل : إنّي فكّرت في أمرك فرأيت أنّ هذه الألف ألف التي حملتها أمس إليك لتقضي بها دينك ثم تحتاج فتقترض ، فبعد قليل يعلوك مثلها ، فبكرت اليوم إلى أمير المؤمنين وعرضت عليه حالك ، وأخذت لك مائة ألف ألف درهم أخرى ، ولمّا حضرت إلى أمير المؤمنين خرجت أنا بباب آخر ، وكذلك فعلت لما حضرت إلى باب أبي ، لأني ما كنت أوثر أن ألقاك حتّى يحمل المال إلى منزلك ، وقد حمل . فقال له محمّد : بأيّ شيء أجازيك على هذا الإحسان ؟ ما عندي شيء أجازيك به إلّا أني ألتزم بالأيمان المؤكدة وبالطلاق والعتاق والحجّ ، أنّي ما أقف على باب غيرك ولا أسأل سواك . قالوا وحلف محمد أيمانا مؤكدة وكتب بها خطّه ، وأشهد بها عليه أنه لا يقف بباب غير باب الفضل بن يحيى ، فلما ذهبت دولة البرامكة وتولّى الفضل بن الربيع ، فلم يفعل والتزم باليمين ، فلم يركب إلى أحد ، ولم يقف على باب أحد حتّى مات .

سيرة جعفر بن يحيى البرمكيّ

كان جعفر بن يحيى فصيحا لبيبا ذكيّا فطنا ، كريما حليما ، وكان الرشيد يأنس به أكثر من أنسه بأخيه الفضل ! لسهولة أخلاق جعفر ، وشراسة أخلاق الفضل . وقال الرشيد يوما ليحيى : يا أبي ما بال الناس يسمّون الفضل الوزير الصغير ولا يسمون جعفرا بذلك ؟ فقال يحيى : إنّ خدمتك ومنادمتك يشغلانه عن ذلك . فجعل إليه أمر دار الرشيد : فسمّي بالوزير الصّغير أيضا .