فقيل لي : على من سلّمت ؟ قلت : على أمير المؤمنين هارون الرّشيد ، فقال :
وعليك السّلام يا يعقوب ورحمة الله وبركاته ، أعزز عليّ بما نالك فجعلت المهديّ في حلّ ودعوت للرّشيد وشكرته على خلاصي . ثمّ قال : ما ذا تريد يا يعقوب ؟ قلت يا أمير المؤمنين ، ما بقي في مستمع ولا بلاغ ، وأريد المجاورة بمكّة ، فأمر لي بما يصلحني . ثم توجّه يعقوب إلى مكّة وجاور بها ، ولم تطل أيّامه حتّى مات هناك سنة ستّ وثمانين ومائة .
وزارة الفيض بن أبي صالح للمهديّ
هو من أهل نيسابور ، وكانوا نصارى ، فانتقلوا إلى بني العبّاس وأسلموا .
وتربّى الفيض في الدولة العبّاسيّة وتأدّب وبرع ، وكان سخيّا مفضالا متخرّقا في ماله جوادا عزيز النّفس ، كبير الهمّة كثير الكبر والتّيه ، حتّى قال فيه بعض الشّعراء :
أبا جعفر جئناك نسأل نائلا [ 1 ] * فأعوزنا من دون نائلك البشر
فما برقت بالوعد منك غمامة * يرجّى بها من سيب نائلك القطر
فلو كنت تعطينا المنى وزيادة * لنغصّها منك التجبّر والكبر
( طويل ) قالوا : كان يحيى بن خالد بن برمك إذا استعظم أحد كرمه وجوده قال : لو رأيتم الفيض لصغر عندكم أمري . وفي الفيض يقول أبو الأسود الحماني الشاعر يمدحه :
ولائمة لأمتك يا فيض في النّدى * فقلت لها : لن يقدح اللّوم في البحر
أرادت لتثني [ 2 ] الفيض عن سنن النّدى [ 3 ] * ومن ذا الّذي يثني السّحاب عن القطر ؟
هامش
[ 1 ] نائلا : عطاء .
[ 2 ] تثني : تمنع وتكفّ .
[ 3 ] سنن النّدى : طرائق الكرم ومناهجه .