تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
كان خالد عظيم المنزلة عند الخلفاء قيل : إنّ السفّاح قال له يوما : يا خالد ما رضيت حتى استخدمتني ! ففزع خالد وقال : كيف يا أمير المؤمنين وأنا عبدك وخادمك ؟ فضحك وقال : إن « ريطة » ابنتي تنام مع ابنتك في مكان واحد ، فأقوم بالليل فأجدهما قد سرح [ 1 ] الغطاء عنهما ، فأردّه عليهما فقبّل خالد يده وقال : مولى يكتسب الأجر في عبده وأمته [ 2 ] . وكثر الوافدون على باب خالد بن برمك ، ومدحه الشّعراء ، وانتجعه [ 3 ] الناس وكان الوافدون قبل ذلك يسمّون سؤّالا ، فقال خالد : إنّي أستقبح هذا الاسم لمثل هؤلاء وفيهم الأشراف والأكابر . فسمّاهم ، الزوّار . وكان خالد أوّل من سمّاهم بذلك . فقال له بعضهم : والله ما ندري أيّ أياديك عندنا أجلّ أصلتنا أم تسميتنا ؟ إن أول من فعل ذلك المساور بن النعمان ، في دولة بني أميّة . ولما بنى المنصور مدينة بغداد . « بغداد » عظمت النفقة عليه ، فأشار عليه أبو أيّوب الموريانيّ بهدم إيوان كسرى [ 4 ] واستعمال أنقاضه . فاستشار المنصور خالد بن برمك في ذلك فقال : لا تفعل يا أمير المؤمنين ، فإنه آية الإسلام . فإذا رآه الناس علموا أنّ مثل هذا البناء لا يزيله إلا أمر سماويّ . وهو مع ذلك مصلّى عليّ بن أبي طالب - عليه السّلام - والمؤنة في نقضه أكثر من نفعه . فقال له المنصور : أبيت يا خالد إلا ميلا إلى العجميّة ! ثم أمر المنصور بهدمه فهدمت منه ثلمة [ 5 ] ، فبلغت النفقة عليها أكثر ممّا حصل منها . فأمسك المنصور عن هدمه وقال : يا خالد : قد صرنا إلى رأيك وتركنا هدم الإيوان ، قال يا أمير المؤمنين : أنا الآن أشير بهدمه ، لئلا يتحدث الناس أنّك عجزت عن هدم ما بناه غيرك . فأعرض عنه وأمسك عن هدمه - كتب بعض الشّعراء إلى خالد بن برمك في يوم
هامش
[ 1 ] سرح : زال ، انكشف . [ 2 ] الأمة : الجارية المملوكة . [ 3 ] انتجعه الناس : قصدوه . [ 4 ] إيوان كسرى : قصر كسرى بالمدائن ، وكانت عاصمة الفرس . [ 5 ] الثلمة : الخلل في الحائط . الفتحة في الجدار .