تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
وكان المنصور مبخّلا يضرب بشحّه الأمثال . وقيل كان كريما : وإنه لمّا حجّ أفضل على أهل الحجاز ، فكان يسمّون عامه عام الخصب . والصّحيح أنّه كان رجلا حازما يعطي في موضع العطاء ، ويمنع في موضع المنع . وكان المنع عليه أغلب . وجرى في أيامه شيء طريف : وهو أنّ قوما من أهل خراسان يقال لهم : الراونديّة كانوا يقولون بتناسخ الأرواح ، ويزعمون أنّ روح آدم انتقلت إلى فلان - رجل من كبارهم - وأنّ ربّهم الّذي يطعمهم ويسقيهم هو المنصور وأنّ جبرائيل هو فلان - عن رجل آخر - فلمّا ظهروا أتوا قصر المنصور فطافوا حوله ، وقالوا : هذا قصر ربّنا . فأخذ المنصور رؤساءهم فحبس منهم مائتي رجل ، فغضب الباقون واجتمعوا . وفتحوا السّجون وأخرجوا أصحابهم منها ، وقصدوا المنصور وحاربوه . فخرج المنصور إليهم ماشيا ، ولم يكن في بابه في ذلك الوقت دابّة ، فصار بعد ذلك اليوم تربط له دابّة في باب القصر لا تزال واقفة ، وصارت تلك سنّة للخلفاء بعده وللملوك . فلما خرج المنصور أتي بدابّة فركبها وهو يريدهم حتّى تكاثروا عليه ، وكادوا يقتلونه . وجاء معن بن زائدة [ 1 ] وكان مستخفيا من المنصور ، جاء متلثما ، ووقف بين يدي المنصور والمنصور لا يعرفه فقاتل بين يديه قتالا شديدا وأبلى بلاء حسنا . وكان المنصور راكبا على بغلة ولجامها بيد حاجبه الرّبيع ، فأتى معن وقال : تنحّ فأنا أحقّ منك بهذا اللجام في هذا الوقت . فقال المنصور : صدق ، ادفع اللجام إليه فلم يزل يقاتل حتّى انكشفت الحال وظفر بالراونديّة ، فقال له المنصور : من أنت ؟ قال : طلبتك [ 2 ] يا أمير المؤمنين معن بن زائدة . فقال قد آمنك الله على نفسك وأهلك ومالك ، ومثلك يصطنع [ 3 ] . وأحسن إليه وولاه اليمن . والمنصور هو الّذي بنى مدينة بغداد .
هامش
[ 1 ] معن بن زائدة : قائد شجاع كريم مشهور ، كان ولاؤه للأمويين فلما ظهر العبّاسيّون طلبوه وظلّ متخفيا حتى نصر المنصور العباسي في حربه مع الراوندية . ولي على اليمن ثم على سجستان حتى مقتله حوالي عام / 150 / ه . [ 2 ] طلبتك : مطلوبك للقبض عليه . [ 3 ] يصطنع : يقرّب ويحسن إليه .