على أن بداء فاعل بدا وهو مصدر بمعنى اسم الفاعل والتقدير : بدا لك رأي باد ولما كان ظاهر هذا الشعر على طبق ثبت الثبوت بجعل المصدر فاعلاً لفعله وهو مما لا معنى له أجاب عنه بما ذكره .
ولا يخفى أنه تكلف . والجيد ما قاله أبو علي في كتاب الشعر قال : أضمر البداء في قوله تعالى : ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه لأن البداء الذي هو المصدر قد صار بمنزلة العلم والرأي . ألا ترى أن الشاعر قد أظهره في قوله :
* لعلك والموعود حق لقاؤه
* بدا لك في تلك القلوص بداء
* وكذلك صنع ابن الشجري في الآية والبيت وقال : ألسن العرب متداولة في قولهم : بدا لي في هذا الأمر بداء أي : تغير رأيي عما كان عليه . ويقال : فلان ذو بدوات ذا بدا له الرأي بعد الرأي . انتهى .
وقد وقع هذا التركيب في سيرة ابن هشام ونصه : قال ابن إسحاق : ظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قد بدا لعمه بداء .
قال السهيلي في الروض : أي : ظهر له رأي فسمي بداء لأنه شيء يبدو بعدما خفى والمصدر البدو والاسم البداء . ولا يقال في المصدر : بدا له بدو كما لا يقال : ظهر له ظهور بالرفع لأن الذي يظهر ويبدو هاهنا هو الاسم نحو البداء .
ومن أجل أن البدو هو الظهور كان البداء في وصف الباري سبحانه محالاً لأنه لا يبدو له شيء كان غائباً عنه . والنسخ للحكم ليس ببدو كما توهمه جماعة من الرافضة واليهود وإنما هو تبديل حكم بحكم بقدر قدره وعلم قديم علمه .
وقد يجوز أن يقال : بدا له أن يفعل كذا ويكون معناه أراد . وهذا من المجاز الذي لا سبيل إلى إطلاقه إلا بإذن من صاحب الشرع .
وقد صح في ذلك ما خرجه البخاري في حديث الثلاثة : الأعمى والأقرع والأبرص وأنه عليه )
السلام قال : بدا لله أن يبتليهم . فبدا هاهنا بمعنى : أراد .
وابن أعين ومن اتبعه يجيزون البداء على الله ويجعلونه والنسخ شيئاً واحداً واليهود لا تجيز النسخ يحسبونه بداء . ومنهم من أجاز البداء .
وروى الأصبهاني في الأغاني أن رجلاً وعد محمد بن بشير الخارجي بقلوص وهي الناقة الشابة ومطله فقاله فيه يذمه ويمدح زيد بن الحسن بن علي ابن أبي طالب : الطويل .
* لعلك والموعود حق لقاؤه
* بدا لك في تلك القلوص بداء
*
* فإن الذي ألقى إذا قال قائل
* من الناس : هل أحسستها لعناء
*
* أول الذي يبدي الشمات وإنها
* علي وإشماتُ العدو سواء
*
* دعوت وقد أخلفتني الوعد دعوة
* بزيد فلم يضلل هناك دعاء
*
خزانة الأدب — صفحة 217
مساهمون: البغدادي
ص٢١٧