فقال : وجبت هجيراً يترك الماء صادياً وإذا صدي فحسبك به عطشاً فإن أمكن هذا كان حمله عليه جائزاً حسناً ورأيت أبا عليّ يستسهل تقديم حال المجرور فينحو هذا عليه ويقول : هو قريب من حال المنصوب اه .
أقول : أراد بشاعره أي : بشاعر عصره أبا الطيّب المتنبي . الوجه الذي أبداه تخيّل صحيح فإن الإنسان يحب أن يكون الماء بارداً في جال كونه حاراً . ولكن الوجه الأول أحسن وأبلغ فإن الماء البارد أحب إلى الإنسان عند عطشه وحرارته من كل شيء . وهذا المعنى هو المتداول الشائع قال المبرّد في الكامل : هو معنى صحيح وقد اعتوره الحكماء وكلهم أجاد فيه .
ومثل بيت الشاهد قول عمر بن أبي ربيعة : فإن قوله : إذا ما منعت برد الشراب يفيد ما أفاده قوله : إليّ حران صادياً فإنه يريد عند وقت الحاجة إليه وبذلك صح المعنى .
ومثله قول القطاميّ :
* فهنّ ينبذن من قول يصبن به
* مواقع الماء من ذي الغلّة الصادي
* ينبذن : يرمين به ويتكلمن . والغلّة بالضم : حرارة العطش .
ويروى عن علي رضي الله عنه أن سائلاً سأله فقال : كيف كان حبّكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : كان والله أحبّ إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا ومن الماء البارد على الظمأ .
خزانة الأدب — صفحة 202
مساهمون: البغدادي
ص٢٠٢