قوله تعالى : * ( ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه ) * [ الآية : 143 ] .
قال أبو سعيد : من غيرة الله تعالى أنه لم يكلم موسى إلا في جوف الليل ، وغيبه
عن كل ذي حسب حتى لم يحضر كلامه معه أحد سواه ، وكذلك محادثته مع الأنبياء .
قال القرشي : إنما كلم الله موسى بإياه ، ولو كلمه على حد العظمة لذاب وصار لا
شيء .
قال الواسطي رحمة الله عليه : لما غاب موسى عن أنفاسه وحركاته وقام مقام
الانفراد مع الله ناداه * ( إني أنا الله ) * .
قال جعفر في قوله : * ( ولما جاء موسى لميقاتنا ) * قال : الميقات طلب الرؤية .
وقال جعفر : سمع كلامه خارجاً عن بشريته وأضاف الكلام إليه ، وكلمه من نفسه
موسى وعبوديته فغاب موسى عن نفسه وفنى عن صفاته ، وكلمه ربه من حقائق معانيه ،
فسمع موسى صلى الله عليه وسلم من ربه ومحمد صلى الله عليه وسلم سمع من ربه صفة ربه ، وكان أحمد المحمودين
عند ربه ، ومن هذا كان مقام محمد صلى الله عليه وسلم المنتهى ، ومقام موسى عليه السلام الطور ،
ومنذ كلم الله موسى على الطور أفنى صفته ، فلم يظهر فيه النبات ولا تمكين لأحدٍ
عليه .
وقال الحسين في قوله : * ( ولما جاء موسى لميقاتنا ) * قال : أزال عنه التوقيف والترتيب ،
وجاء إلى الله على ما دعاه إليه وأراده له وأخذه عليه وأوجده منه وأظهره عليه ، ببذل
الجهد والطاقات وركوب الصعب والمشقات ، فلما لم تبق عليه باقية بها يمتنع ، أقيم مقام
المواجهة والمخاطبة وأطلق مصطنعة لسانه بالمراجعة والمطالبة ، أما سمعت قوله قبل هذه
الحال طالباً منه لما طولع بحال الربوبية وكوشف بمقام الإلهية سائلاً حل عقدةٍ من لسانه
ليكون - إذا كان ذلك - مالكاً لنطقه وبيانه .
وقيل : فسأل ربه شرح صدره ثم نظر إلى أليق الأحوال ، وإذا هو تيسير أمره فسأل
ذلك على التمام لتترقى به حاله إلى أرفع المقام وهو المجيء إلى الله بالله ، لما علم أن من
تفسير السلمي — صفحة 238
مساهمون: أبي عبد الرحمن محمد بن الحسين السُلمي
ص٢٣٨