فسار بمن اصطحبه إلى اليمن ، فسلك المدينة مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم فقال سليمان : هذه دار هجرة نبىّ في آخر الزمان ، طوبى لمن آمن به ، وطوبى لمن اتّبعه ، وطوبى لمن اقتدى به ، ورأى حول البيت أصناماً تُعبد من دون الله سبحانه ، فلمّا جاوز سليمان البيت بكى البيت فأوحى الله سبحانه إلى البيت : ما يبكيك ؟ فقال : يا ربّ أبكاني هذا نبيّ من أنبيائك وقوم من أولياءك مرّوا عليَّ ، فلم يهبطوا فيَّ ولم يصلّوا عندي ولم يذكروك بحضرتي ، والأصنام تعبد حولي من دونك ، فأوحى الله سبحانه إليه أن لا تبك وإنّي سوف أملأك وجوهاً سجّداً ، وأُنزل فيك قرآناً جديداً ، وأبعث منك نبيّاً في آخر الزمان أحبّ أنبيائي إليَّ ، وأجعل فيك عمّاراً من خلقي يعبدونني وأفرض على عبادي فريضة يرفّون إليك رفّة النّسور إلى وكرها ويحنّون إليك حنين الناقة إلى ولدها والحمامة إلى بيضتها ، وأُطهّرك من الأوثان وعبدة الشيطان .
قال : ثم مضى سليمان حتى مرَّ بوادي السدير ، واد من الطائف فأتى على وادي النمل فقالت نملة تمشي ، وكانت عرجاء تتكاوس ، وكانت مثل المذنب في العظم ، فنادت النملة " * ( يا أيّها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنّكم سليمان وَجُنوده وهم لا يشعرون ) * ) يعني أنّ سليمان يفهم مقالتها وكان لا يتكلّم خلق إلاّ حملت الريح ذلك فألقته في مسامع سليمان ( عليه السلام ) .
قال " * ( فتبسّم ضاحكاً مِن قولها وقال رَبّ أوزعني ) * ) إلى قوله " * ( في عبادك الصالحين ) * ) يعني مع عبادك الموحّدين .
وقال قتادة ومقاتل : وادي النمل بأرض الشام
قال نوف الحميري : كان نمل وادي سليمان مثل الذباب .
وقال الشعبي : النملة التي فقه سليمان كلامها كانت ذات جناحين .
قال مقاتل : سمع سليمان كلامها من ثلاثة أميال . واختلفوا في اسم تلك النملة .
فأخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد الحسني الدينوري قال : حدّثنا أبو العباس أحمد ابن محمد بن يوسف الصرصري قال : حدّثنا الهيثم بن خلف الدوري قال : حدّثنا هارون بن حاتم البزاز قال : حدّثنا إبراهيم بن الزبرقان التيمي عن أبي روق عن الضحاك قال : كان اسم النملة التي كلّمت سليمان بن داود ( عليه السلام ) طاحية .
وأخبرني ابن فنجويه قال : حدّثنا طلحة وعبيد الله قالا : حدّثنا ابن مجاهد قال : حدّثني الفضل بن الحسن قال : حدّثنا أبو محمد النعمان بن شبل الباهلي قال : حدّثنا ابن أبي روق عن أبيه قال : كان اسم نملة سليمان حرمي ، وهو قول مقاتل .
ورأيت في بعض الكتب أنّ سليمان لمّا سمع قول النملة قال : ائتوني بها ، فأتوه بها فقال لها : لِمَ حَذّرتِ النمل ظلمي ؟ أما علمتِ أنّي نبي عدل ؟ فلِمَ قلتِ : لا يحطمنّكم سليمان وجنوده
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي ) — صفحة 197
مساهمون: الثعلبي
ص١٩٧