قال : وكان النبي يسألهم عن ذلك الأسود ما فعل ؟ فيقولون له : ما ندري ، حتى قبض الله ذلك النبي فأهب الله الأسود من نومته بعد ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنّ ذلك الأسود لأول من يدخل الجنة ) .
قلت : قد ذكر في هذا الحديث انهم آمنوا بنبيهم واستخرجوه من حفرته فلا ينبغي ان يكونوا المعنيين بقوله " * ( وأصحاب الرسّ ) * ) لأن الله سبحانه وتعالى أخبر عن أصحاب الرسّ أنهم دمّرهم تدميراً إلاّ أن يكونوا دُمروا بأحداث أحدثوها بعد نبيهم الذي استخرجوه من الحفرة وامنوا به فيكون ذلك وجهاً .
وقد ذُكر عن أمير المؤمنين علي ح في قصة أصحاب الرس ما يصدّق قول عكرمة وتفسيره ، وهو ما روى علي بن الحسين زين العابدين عن أبيه عن علي بن أبي طالب أنَّ رجلا من أشراف بني تميم يقال له عمرو أتاه فقال : يا أمير المؤمنين أخبرني عن أصحاب الرسّ في أيّ عصر كانوا ؟ وأين كانت منازلهم ؟ ومن كان ملكهم ؟ وهل بعث الله سبحانه إليهم رسولاً ؟ وبماذا أُهلكوا ؟ فإنّي أجد في كتاب الله سبحانه ذكرهم ولا أجد خبرهم ، فقال له علي ح : لقد سألت عن حديث ما سألني عنه أحد قبلك ولا يحدّثك به أحد بعدي .
وكان من قصتهم يا أخا تميم أنهم كانوا قوماً يعبدون شجرة صنوبر يقال لها شاه درخت ، كان يافث بن نوح غرسها على شفير عين يقال لها دوشاب كانت أُنبتت لنوح عليه السلام بعد الطوفان ، وإنّما سُمّوا أصحاب الرسّ لأنهم رسّوا نبيهم في الأرض وذلك قبل سليمان بن داود ، وكان له اثنتا عشرة قرية على شاطئ نهر يقال له الرس من بلاد المشرق ، وبهم سمّي ذلك النهر ، ولم يكن يومئذ في الأرض أغزر منه ولا أعذب ، ولا قرى أكثر سكاناً ولا أعمر منها ، وكانت ، أعظم مداينهم اسفندماه وهي التي ينزلها ملكهم ، وكان يسمّى نركوز بن عانور بن ناوش بن سارن ابن نمرود بن كنعار ، وبها العين والصنوبرة وقد غرسوا في كل قرية منها حبة من طلع تلك الصنوبرة فنبتت الحبّة وصارت شجرة عظيمة ، وحرموا ماء العين والأنهار فلا يشربون منها هم ولا أنعامهم ، ومن فعل ذلك قتلوه ، ويقولون : هي حياة آلهتنا فلا ينبغي لأحد أن يقطف من حباتها ، ويشربون هم وأنعامهم من نهر الرس الذي عليه قراهم ، وقد جعلوا في كل شهر من السنة في كل قرية عيداً تجتمع إليه أهلها ويضربون على الشجرة التي بها كلّة من حرير فيها أنواع الصور ، ثم يأتون بشياه وبقر فيذبحونها قرباناً للشجرة ويشعلون فيها النيران بالحطب ، فإذا سطع دخان تلك الذبائح وقتاره في الهواء ، وحال بينهم وبين النظر إلى السماء ، خرّوا للشجرة سجّداً يبكون ويتضرعون إليها أن ترضى عنهم
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي ) — صفحة 135
مساهمون: الثعلبي
ص١٣٥