تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي ) — صفحة 348

مساهمون:

ص٣٤٨
وروى الهروي عن سفيان بن سعيد عمن سمع الضحاك بن مزاحم يقول : ما حفظ الرجل القرآن ثم نسيه إلاّ بذنب ، ثم قرأ " * ( وَمَا أصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَة فَبِمَا كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ ويعفو عن كثير ) * ) قال : فنسيان القرآن أعظم المصائب . وقال بعضهم : هذه الآية متصلة بما قبله ، وتقديره : فما لهؤلاء القوم لم يكونوا يفقهون حديثاً حتى يقولوا : ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيّئة فمن نفسك ؟ وتعلق أهل القدر بهذه الآية وقالوا : نفى الله السيئة عن نفسه بقوله " * ( وَما أصَابَكَ مِنْ مُصِيبَة فَمِنْ نَفْسِكَ ) * ) ونسبها إلى العبد ، فيقال لهم : إن ما حكى الله تعالى لنبيه من قول المنافقين ، إنهم قالوا إذا أصابتهم حسنة ، هذه من عند الله ، فإن تصبهم سيئة يقولوا : هذه من عندك ، لم يرد به حسنات الكسب ، ولا سيئاته ، لأن الذي منك فعل غيرك بك لا فعلك ، ولذلك نسب إلى غيرك . كما قال * ( إن تمسسكم حسنة تسؤهم ) * * ( وإنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّروا بِمُوسى وَمَن مَعَهُ ) * ) وكل هذه سبب من الأسباب لامن الكسب ألا ترى إنه نسبها إلى غيرك ، ولم يذكر بذلك ثواباً ولا عقاباً ، فلما ذكر حسنات العمل والكسب وسيآتهما نسبهما إليك وذكر فيها الثواب والعقاب . كقوله " * ( مَنْ جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إلاَّ مِثْلَهَا ) * ) وكان ما حكى الله عن المنافقين من قولهم في الحسنات والسيئات لم يكن حسنات الكسب ولا سيئاته ، ثم عطف عليه قوله " * ( مَا أصَابَكَ مِنْ حَسَنَة فَمِنَ اللهِ ) * ) إلى نفسك فلم يكن بقوله " * ( فمن نفسك ) * ) مثبتاً لما قد نفاه ، ولا نافياً لما قد أثبته ، لأن ذلك لا يجوز على الحكيم جل جلاله ، لكن من السبب الذي استحق هذه المصيبة ، وكان ذلك من كسبه ، ومنه قوله " * ( وَمَا أصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَة فَبِمَا كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ ) * ) فجعل هذه المصيبة جزاءً للفعل فإذا أوقع الجزاء لم يوقعه إلاّ على ما نسبه إلى العباد ، كقوله * ( جزاء بما كانوا يعملون ) * * ( جزاءً بما كانوا يكسبون ) * ) وقوله " * ( وَمَا أصَابَكَ مِنْ سَيِّئَة فَمِنْ نَفْسِكَ ) * ) ليس فيه دليل على إنه لا يريد السيئة ولا يفعلها ولكن ما كان جزاءً ، فنسبته إلى العبد على ( طريق ) الجزاء . " * ( وَأرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ ) * ) يا محمد " * ( رَسُولا وَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً ) * ) على إنك رسول صادق . وقيل فيك " * ( وَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً ) * ) على أن الحسنة والسيئة كلها من الله " * ( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطَاعَ اللهَ ) * ) وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول : ( من أطاعني فقد أطاع الله ومن أحبّني ( أحبّه الله ) ) ، فقال بعض المنافقين : ما يريد هذا الرجل إلاّ أن نتّخذه رباً ، كما في