فإن قيل : كيف جاز أن يعذّب جلد لم يعصه قلنا : إنّ المعاصي والألم واقع على نفس . الإنسان لا الجلد ، لأن الجلود إنما تألم بالأرواح ، والدليل على من يقصد تعذيب الأبدان لا يعذّب ) الجلود ( قوله : " * ( ليذوقوا العذاب ) * ) ، لم يقل ليذوق العذاب .
وقيل : معناه : يبدّل جلوداً هي تلك الجلود المحترقة ، وذلك أنّ غير على ضربين : غير تضاد ، وغير تناف ، وغير تبديل ، فغير تضاد مثل قولك : للصّائغ صغ لي من هذا الخاتم خاتماً غيره فيكسره ويصوغ لك خاتماً ، فالخاتم المصوغ هو الأول ولكن الصياغة تغيّرت والفضّة واحد .
وهذا كعهدك بأخٍ لك صحيحاً ثم تراه بعد ذلك سقيماً مدنفاً فتقول : فكيف أنت ؟ فيقول : أنا على غير ما عهدت ، فهو هو ، ولكن حالهُ تغيّرت ، ونظير هذا قوله تعالى " * ( يوم تبدّل الأرض غير الأرض ) * ) وهي تلك الأرض بعينها إلاّ أنها قد بُدّلت جبالها وآكامها وأنهارها وأشجارها ، وأنشد :
فما النّاس بالنّاس الذين عهدتهم
ولا الدّار بالدّار التي كنت أعرف
قال الثعلبي : وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول : سمعت أبا نصير محمد بن محمد بن مزاحم يقول : سمعت مزاحم بن محمد بن شاردة الكشي يقول : سمعت جابر بن زيد يقول : سمعت وكيع بن الجراح يقول : سمعت إسرائيل يقول : سمعت الشعبي يقول : جاء رجل إلى ابن عباس فقال : ألا ترى ما صنعت عائشة ذمَّت دهرها وذلك ( أنها ) أَنشدت بيتي لبيد :
ذهب الذين يعاش في أكنافهم
وبقيت في خلف كجلد الأجرب
يتلذّذون مجانة ومذلّة
ويعاب قائلهم وإن لم يشغب
فقالت : رحم الله لبيد وكيف لو أدرك زماننا هذا .
فقال له ابن عباس : لئن ذمّت ( عائشة ) دهرها لقد ذمت عاد دهرها ، وذلك إنه وجد في خزانة عاد بعدما هلكت سهم كأطول ما يكون من رماحاً عليه مكتوب :
وليس لي أحناطي بذي اللوى
لوى الرمل من قبل النفوس معاد
بلاد بها كنا ونحن من أهلها
إذ الناس ناس والبلاد بلاد
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي ) — صفحة 331
مساهمون: الثعلبي
ص٣٣١