مجانس لذلك الشيء ، فهو في الحقيقة عابد لهواه بعبادته لذلك المحبوب ، والباعث
لهواه على محبة غير الله هو الشيطان ، فمحب كل شيء غير الله لا لله وبغير محبة الله
عابد له ولهواه وللشيطان متعدد المعبود متفرق الوجهة . أبعد ذلك * ( تكون عليه وكيلا ) *
بدعوته إلى التوحيد وقد كان في غاية البعد محجوبا بظل من ظلاله .
* ( ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ) * بالوجود الإضافي . اعلم أن ماهيات الأشياء
وحقائق الأعيان هي ظل الحق وصفه عالمية الوجود المطلق ، فمدها إظهارها باسمه
النور الذي هو الوجود الظاهر الخارجي الذي يظهر به كل شيء ويبرز كتم العدم إلى
فضاء الوجود أي الإضافي * ( ولو شاء لجعله ساكنا ) * أي : ثابتا في العدم الذي هو خزانة
وجوده ، أي : أم الكتاب واللوح والمحفوظ الثابت وجود كل شيء فيهما في الباطن
وحقيقته لا العدم الصرف بمعنى اللا شيء فإنه لا يقبل الوجود أصلا ، وما ليس له وجود
في الباطن وخزانة علم الحق وغيبه لم يمكن وجوده أصلا في الظاهر ، والإيجاد
والإعدام ليس إلا إظهار ما هو ثابت في الغيب وإخفاؤه فحسب وهو الظاهر والباطن
وهو بكل شيء عليم * ( ثم جعلنا ) * شمس العقل * ( عليه ) * أي : الظل * ( دليلا ) * يهدي إلى
أن حقيقته غير وجوده وإلا فلا مغايرة بينهما في الخارج فلا يوجد إلا الوجود فحسب ،
إذ لو لم يمكن وجوده لما كان شيئا فلا يدل على كونه شيئا غير الوجود إلا العقل * ( ثم قبضناه إلينا ) * بإفنائه * ( قبضا يسيرا ) * لأن كل ما يفنى من الموجودات في كل وقت فهو
يسير بالقياس إلى ما سبق ، وسيظهر كل مقبوض عما قليل في مظهر آخر . والقبض دليل
على أن الإفناء ليس إعداما محضا بل هو منع عن الانتشار في قبضته التي هي العقل
الحافظ لصورته وحقيقته أزلاً وأبدا .
تفسير سورة الفرقان من [ آية 47 - 49 ]
* ( وهو الذي جعل لكم ) * ليل ظلمة النفس * ( لبأسا ) * يغشاكم بالاستيلاء عن مشاهدة
الحق وصفاته والذات وظلالها فتحتجبون يوم الغفلة في الحياة الدنيا * ( سباتا ) * تسبتون
بها عن الحياة الحقيقية السرمدية كما قال عليه السلام : ' الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا ' .
* ( وجعل ) * نهار نور الروح * ( نشورا ) * تحيا قلوبكم به فتنتشرون في فضاء القدس بعد نوم
الحس .
* ( وهو الذي أرسل ) * رياح النفحات الربانية ناشرة محيية أو مبشرة بين يدي رحمة
الكمال بتجلي الصفات * ( وأنزلنا ) * من سماء الروح ماء العلم * ( طهورا ) * مطهرا يطهركم
تفسير ابن عربي — صفحة 81
مساهمون: ابن عربي
ص٨١