عليها واحتجب عن النور باستيلاء الظلمة ، حصلت الشقاوة العظمى وحقت العقوبة بالنار
وهو الرين والحجاب الكلي لقوله : * ( كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون 14 كلا إنهم عن
ربهم يومئذ لمحجوبون 15 ) * [ المطففين ، الآيات : 14 - 15 ] ولهذا وجب خلود العقاب ودوام
العذاب بفساد الاعتقاد دون فساد الأعمال * ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) * [ النساء ، الآية : 48 ] . وأما الباقيتان فرذيلة كل منهما إنما تعود بظهورها على
النطقية الملكية ثم ربما محيت بانقهارها وتسخرها لها عند سكون هيجانها وفتور سلطانها
باستيلاء غلبة النور وتسلطها عليها بالطبع ، كحال النفس اللوامة عند التوبة والندامة .
وربما بقيت بالإصرار وترك الاستغفار ، وفي الحالين لا تبلغ رذيلتهما مقام السر ومحل
الحضور ومناجاة الرب ، ولا تتجاوز حد الصدر . ولا تصير الفطرة بها محجوبة الحقيقة
منكوسة بخلاف تلك ، ألا ترى أن الشيطنة المغوية للآدمي أبعد عن الحضرة الإلهية من
السبعية والبهيمية وأبعد بما لا يقدر قدره ؟ فالإنسان برسوخ رذيلة النطقية يصير شيطانا ،
وبرسوخ الرذيلتين الأخريين يصير حيوانا كالبهيمة أو السبع وكل حيوان أرجى صلاحا
وأقرب فلاحا من الشيطان ولهذا قال تعالى : * ( هل أنبئكم على من تنزل الشياطين 221 تنزل على
كل أفاك أثيم 222 ) * [ الشعراء ، الآيات : 221 - 222 ] ، ونهى ها هنا عن اتباع خطوات
الشيطان ، فإن ارتكاب مثل هذه الفواحش لا يكون إلا بمتابعته ومطاوعته وصاحبه يكون
من جنوده وأتباعه ، فيكون أخس منه وأذل ، محروما من فضل الله الذي هو نور هدايته ،
محجوبا من رحمته التي هي إفاضة كمال وسعادة ، ملعونا في الدنيا والآخرة ، ممقوتا من
الله والملائكة ، تشهد عليه جوارحه بتبدل صورها وتشوه منظرها ، خبيث الذات
والنفس ، متورطا في الرجس ، فإن مثل هذه الخبائث لا تصدر إلا من الخبيثين ، كما قال
تعالى : * ( الخبيثات للخبيثين ) * وأما الطيبون المتنزهون عن الرذائل ، فإنما تصدر عنهم
الطيبات والفضائل * ( لهم مغفرة ) * بستر الأنوار الإلهية صفات نفوسهم * ( ورزق كريم ) *
من المعاني والمعارف الواردة على قلوبهم .
تفسير سورة النور [ آية 35 ]
* ( الله نور السماوات والأرض ) * النور هو الذي يظهر بذاته وتظهر الأشياء به ، وهو
مطلقا اسم من أسماء الله تعالى باعتبار شدة ظهوره وظهور الأشياء به ، كما قيل :
* خفي لإفراط الظهور تعرضت
* لإدراكه أبصار قوم أخافش
*
* وحظ العيون الزرق من نور وجهه
* كشدة حظ للعيون العوامش
*
تفسير ابن عربي — صفحة 69
مساهمون: ابن عربي
ص٦٩