سورة الزخرف
بسم الله الرحمن الرحيم
تفسير سورة الزخرف من [ آية 1 - 4 ]
أقسم بأول الوجود وهو الحق وآخره وهو محمد وما أجل قسما بما هو أصل
الكل وكماله ، ولهذا كانت الشهادة بهما أساس الإسلام وعماد الإيمان والجمع بينهما هو
المذهب الحق والملة القويمة . فإن أحدية الوجود والتأثير هو الجبر وإثبات التفصيل في
الوجود والتأثير هو القدر ، والجمع بينهما بقولنا : لا إله إلا الله محمد رسول الله ، هو
الصراط المستقيم ، والدين المتين . أو بما يناسب الكتاب وهو اللوح والقلم لقوله
تعالى : * ( ن والقلم وما يسطرون ) * [ القلم ، الآية : 1 ] وقد يكنى عن الكلمة بآخرها كما
يكنى عنها بأولها . فعلى الوجه الأول يمكن أن يؤول الكتاب بنفس محمد لكونه مبينا
للحق جمعا وتفصيلا وكونه منزلا من عند الله * ( قرآنا ) * أي : جامعا لجميع تفاصيل
الوجود ، حاصرا للصفات الإلهية والمراتب الوجودية والكمالية * ( عربيا لعلكم تعقلون ) *
ما نخاطبكم به .
* ( وإنه في أم الكتاب ) * أي : أصل الوجود في الرتبة الأولى وأول نقطة الوجود
الإضافي الممتاز بالتعين الأول عن الوجود المطلق التالي للهوية المحضة المشار إليه
بقوله : * ( لدينا لعلي ) * رفيع القدر بحيث لا رفعة وراءها * ( حكيم ) * ذو الحكمة إذ به
ظهرت صور الأشياء وحقائقها أعيانها وصفاتها وترتيب الموجودات ونظامها على ما هي
عليه . وأما على الوجه الثاني فلا يستقيم هذا التأويل ، بل هو القرآن المبين للتوحيد
والتفصيل الدال عليهما ، المقسم به إجمالا * ( وإنه في أم الكتاب ) * أي : الروح الأعظم
المشتمل على كل العلوم بل كل الأشياء لدينا قريبا منا أقرب من سائر العلوم الحاصلة
في مراتب التنزلات . فإن العلم اللدني هو الذي انتقش في الروح الذي هو أول الأرواح
قبل تنزله في المراتب ، وكون القرآن ذا الحكمة كونه مشتملا على الحكمة النظرية
المفيدة للاعتقادات الحقة من التوحيد والنبوة وبيان أحوال المعاد وأمثالها ، فالحكمة
العملية من بيان أحكام أفعال المكلفين كالشرائع وكيفية السلوك في المراتب وأحوال
المكاسب والمواهب .
تفسير ابن عربي — صفحة 222
مساهمون: ابن عربي
ص٢٢٢