وإذا قال أنا سليمان حثوا عليه التراب وسبوه . ثم عمد إلى السماكين يخدمهم ، فمكث
على ذلك أربعين صباحا ثم طار الشيطان وقذف الخاتم في البحر ، فابتلعته سمكة
ووقعت السمكة في يد سليمان ، فبقر بطنها فإذا هو بالخاتم ، فتختم به وخر ساجدا
ورجع إليه ملكه وجاب صخرة لصخر فجعله فيها وقذفه في البحر .
فإن صحت الحكاية في مطابقتها للواقع كان قد اشتد تلوينه وابتلى بمثل ما ابتلي
به ذو النون وآدم عليهما السلام ، والحكاية من موضوعات حكماء اليهود وعظمائهم
كسائر ما وضعت الحكماء في تمثيلاتهم من حكايات إيسال وسلامان وأمثالها ، وتأويلها
والله أعلم بصحتها ووضعها : أن سليمان قصد مدينة صيدون البدن ، جزيرة في بحر
الهيولى ، وقتل ملكها النفس الأمارة العظيم الشأن ظاهر الطغيان بالمجاهدة في سبيل
الله ، وأصاب بنتا له اسمها جرادة وهي القوى المتخيلة بالطيارة كالجرادة ، تجرد أشجار
الأجسام والأشياء كلها بنزع صورها عن موادها مكتوفة بلواحقها حزينة ، وهي من أحسن
الناس صورة في تزيينها وتسويلها نفسها وما تخيلته من مدركاتها ، وأسلمت على يده ،
أي : انقادت للعقل ورجعت عن دين الوهم ، فصارت مفكرة ، فاصطفاها لنفسه وأحبها
لتوقف حصول كماله عليها ، وحزنها على أبيها : ميلها إلى النفس بطبعها وتأسفها على
فوات حظوظها . وأمره للشيطان بتمثيل صورة أبيها وكسوتها مثل كسوته هو إشارة إلى
منشأ تلوينه وابتلائه بالميل إلى النفس واغتراره بكماله واشتغاله بحظوظ النفس قبل
أوانه ، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام : ' نعوذ بالله من الضلال بعد الهدى ' .
وطاعة الشيطان له : تسخير القوة الوهمية له في إعادة النفس إلى الهيئة الأولى وإن
لم تكن على قوتها الأولى ، وحياتها من الهوى : لكونه مصونا عن الاحتجاب معنيا به
في العناية ، وسجود جرادة وولائدها له كعادتهن في ملكه : تعبد الفكرية وسائر القوى
البدنية للنفس بالانقياد والمراعاة والخدمة وإيصال الحظوظ إليها كعادتهن في الجاهلية
الأولى ، وإخبار آصف سليمان بذلك : تنبيه العقل للقلب على تلوينه عند قرب موته ،
وكسر الصورة وعقاب المرأة : ندامته وتوبته عن حاله ، وتنصله متضرعا إلى الله وكسره
للنفس بالرياضة وخروجه وحده إلى الفلاة : تجرده عن البدن عند سقوط قواه ، وفرش
الرماد وجلوسه فيه : تغير المزاج وترمد الأخلاط مع بقاء العلاقة البدنية ، وأم الولد
المسماة أمينة هي : الطبيعة البدنية أم الأولاد القوى النفسانية التي يضع هو خاتم بدنه
عندها وقت الاشتغال بالأمور الطبيعية والضروريات البدنية كالدخول في الخلوة وإصابة
المرأة وأمثالها ، وهي أمينة على حفظه . وكونه ملكه في خاتمه : إشارة إلى توقف كماله
المعنوي والصوري على البدن ، والشيطان الذي جاءها فأخذ منها الخاتم : هو الطبيعة
العنصرية الأرضية صاحب بحر الهيولى السفلية سمي صخرا لميله إلى السفل وملازمته
تفسير ابن عربي — صفحة 179
مساهمون: ابن عربي
ص١٧٩