وفيضانه عليه من المبدأ الفياض الذي هو منبع الخيرات والبركات كقوله تعالى :
* ( وآتاكم من كل ما سألتموه ) * [ إبراهيم ، الآية : 34 ] وكلما فاض عليه خير باستحقاقه
له لوجود تصفية وتزكية زاد استعداده بانضمام هذا الخير إليه ، فصار أقوى وأقبل من
الأول فيكون المبدأ تعالى أسرع إجابة له وأكثر إفاضة عليه وعلى هذا يزداد الاستعداد
فيزداد الفيض حتى يبلغ مداه وهو معنى تضاعف الحسنات . ومعنى قوله : * ( من جاء بالحسنة فله خير منها ) * [ القصص ، الآية : 84 ] . وأما الشرور فليست إلا حجب الاستعداد
وموانع القبول وحواجز الفيض ، فلما حصلت ما وقع بسببها إلا عدم القبول للخيرات
فمنعت فيضانها وبقي الاستعداد في حجاب ما حصل منها ليس إلا ، وإن اقتضى
بحسب المناسبة فيضان الشر فليس في فيض المبدأ ما يجانسه فلا يفيض عليه شيء
من جنسه ، وهذا معنى قوله تعالى : * ( ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها ) * [ الأنعام ،
الآية : 160 ] اللهم إلا إذا أفرط وتجاوز حد الرحمة وأزال الاستعداد بالكلية فناسب
الشيطنة واستمد من عالمها ، كما قال تعالى : * ( هل أنبئكم على من تنزل الشياطين ( 221 )
تنزل على كل أفاك أثيم ( 222 ) ) * [ الشعراء ، الآيات : 221 - 222 ] ، * ( لقضي إليهم ) * لقطع
مدى استعدادهم فانقطع مدد الحياة الحقيقية عنهم ومدد الخير عن استعدادهم بالكلية
وأزيل إمكان التصفية منه لاقتضائه الشر ، فلم يصل إليهم بعد ذلك خير صوري ولا معنوي
ولكن يمهلهم ما بقي فيهم أدنى مسكة من استعدادهم وإمكان قبول لأدنى خير .
* ( فنذر الذين لا يرجون لقاءنا ) * من جملتهم ، أي : لا يرفعون رأساً من انهماكهم
في الشرور ولا يتوقعون نوراً من أنوارنا ولا يتنبهون قط من غفلتهم بالرجوع إلينا
وطلب رحمتنا * ( في طغيانهم ) * وتماديهم في الشرور يتحيرون وينقطع مدد الخيرات
الصورية التي يسألها استعدادهم بلسان حاله عنهم حتى يزول بانغماسهم وانهماكهم في
الطبيعيات نور استعدادهم بالكلية لحصول الرين ويحق الطمس ، فنكسوا على رؤوسهم
إلى أسفل سافلين .
[ تفسير سورة يونس من آية 19 إلى آية 20 ]
* ( وما كان الناس إلا أمة واحدة ) * على الفطرة التي فطر الله الناس عليها ،
متوجهين إلى الوحدة ، متنورين بنور الهداية الأصلية * ( فاختلفوا ) * بمقتضيات النشأة
واختلاف الأمزجة والأهوية والعادات والمخالطات . * ( ولولا كلمة سبقت من ربك ) *
أي : قضاء سبق في الأزل بتعيين الآجال والأرزاق وتمادي كل واحد من الشقي
تفسير ابن عربي — صفحة 303
مساهمون: ابن عربي
ص٣٠٣