المراتب الذي لا عدد فوقه ، فعبر بها عن أمهات العوالم التي هي عالم الجبروت ، وعالم
الملكوت ، والعرش ، والكرسي ، والسماوات السبع ، والعناصر الأربعة ، والمواليد الثلاثة
التي ينفصل كل واحد منها إلى جزئياته .
والتسعة عشر إشارة إليها مع العالم الإنساني ، فإنه وإن كان داخلاً في عالم
الحيوان إلا أنه باعتبار شرفه وجامعيته للكل وحصره للوجود عالم آخر له شأن وجنس
برأسه له برهان ، كجبريل من بين الملائكة في قوله تعالى : * ( وملائكته ورسله وجبريل ) * [ البقرة ، الآية : 98 ] .
والألفات الثلاثة المحتجبة التي هي تتمة الاثنين والعشرين عند الانفصال إشارة
إلى العالم الإلهي الحق ، باعتبار الذات ، والصفات ، والأفعال . فهي ثلاثة عوالم عند
التفصيل ، وعالم واحد عند التحقيق ، والثلاثة المكتوبة إشارة إلى ظهور تلك العوالم
على المظهر الأعظمي الإنساني ، والاحتجاب العالم الإلهي .
حين سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ألف الباء من أين ذهبت ؟ قال صلى الله عليه وسلم : ( ( سرقها
الشيطان ) ) . وأمر بتطويل باء بسم الله تعويضاً عن ألفها إشارة إلى احتجاب ألوهية
الإلهية في صورة الرحمة الانتشارية وظهورها في الصورة الإنسانية بحيث لا يعرفها إلا
أهلها ، ولهذا نكرت في الوضع .
وقد ورد في الحديث : ( ( إن الله تعالى خلق آدم على صورته ) ) ، فالذات محجوبة
بالصفات ، والصفات بالأفعال ، والأفعال بالأكوان والآثار ، فمن تجلت عليه الأفعال
بارتفاع حجب الأكوان توكل ، ومن تجلت عليه الصفات بارتفاع حجب الأفعال رضي
وسلم . ومن تجلت عليه الذات بانكشاف حجب الصفات فني في الوحدة فصار موحداً
مطلقاً فاعلاً ما فعل وقارئاً ما قرأ بسم الله الرحمن الرحيم ، فتوحيد الأفعال مقدم على
توحيد الصفات وهو على توحيد الذات وإلى الثلاثة أشار صلى الله عليه وسلم في سجوده
بقوله : ( ( أعوذ بعفوك من عقابك ، وأعوذ برضاك من سخطك ، وأعوذ بك منك ) ) .
[ آية 2 - 5 ]
* ( الحمد لله رب العالمين ) * إلى آخر السورة ، الحمد بالفعل ولسان الحال هو ظهور
الكمالات وحصول الغايات من الأشياء إذ هي أثنية فاتحة ومدح رائعة لموليها بما يستحقه .
فالموجودات كلها بخصوصياتها وخواصها ، وتوجهها إلى غاياتها ، وإخراج كمالاتها
من حيز القوة إلى الفعل ، مسبحة ، حامدة ، كما قال تعالى : * ( وإن من شيء إلا يسبح
تفسير ابن عربي — صفحة 28
مساهمون: ابن عربي
ص٢٨