يتجلّى بكل شيء على التنزيه التامّ . والمبشر كناية عن الوارد الرباني في المقام الصمداني . اه .
لا تحسبوني في الهوى متصنّعا كلفي بكم خلق بغير تكلّف
[ المعنى ]
كأنه لمّا حلف بحياتهم أن روحه قليلة في بشارة من يبشّره بقدومهم ، فما بالك بمعن يبشّره بوصالهم توهم أن أحدا لا يصدقه فيما قال ولا يسلم له ذلك المقال فنفى عنه تلك التهمة بقوله « لا تحسبوني في الهوى متصنّعا » وقد فسّروا المتصنّع بالمتكلّف في تحسين سمته . والكلف بفتح الكاف واللام العشق وبكسر اللام الرجل العاشق .
والتكلّف كالتصنّع . وحاصل البيت أنه يقول جميع ما يصدر مني من دعوى المبالغة في المحبة فهو واقع ، وليست تلك الدعوى مني مكلفة بل هي صادقة ثابتة وأغصانها في القلوب نابتة . وفي البيت المجانسة بين الكلف والتكلّف وهي شبه الاشتقاق ، وفيه الطّباق بين الخلق والتكلّف .
أخفيت حبّكم فأخفاني أسى حتّى لعمري كدتّ عنّي أختفي وكتمته عنّي فلو أبديته لوجدته أخفى من اللّطف الخفي
[ المعنى ]
إخفاء الحب أمر مطلوب مطلقا سواء كان متعلقا باللّه تعالى أو ببعض المخلوقين . قال بعضهم : سبب ذلك أن دعوى المحبة ممّن يدّعيها إعلاء لنفسه وتقريب لوجوده إلى حضرة المحبوب والقانون من المحبّ دعوى بعده عن ساحة الحبيب ، وأنه منه بعيد لا قريب ، فلذلك ترى المحقّقين من أرباب العشق لا يحبون أن يبيحوا بالغرام ، ولا أن يبرزوه في نظام الكلام ، إبعادا لأنفسهم عن منازل المقرّبين ، واستبعادا لأن يكونوا إلى الحضرة من المنسوبين . قال الشيخ السهروردي رضي اللّه عنه :
بالسرّ إن باحوا تباح دماؤهم * وكذا دماء العاشقين تباح
وما أحسن قوله رضي اللّه عنه في التائية الكبرى :
وكشف حجاب السرّ أبرز سرّ ما * به كان مستورا له من سريرتي
وعنه بسرّي كنت في خفية وقد * خفته لوهن من نحولي أنتي
فأظهرني سقم به كنت خافيا * له والهوى يأتي بكل غريبة
وأفرط بي ضرّ تلاشت لمسّه * أحاديث نفس كالمدامع نمت
فلو همّ مكروه الردى بي لما درى * مكاني ومن إخفاء حبك خفيتي