نفسك وأحسن الصور الكونية أقبح ما يكون بالنسبة إلى عظمة جلالك وكمال جمالك فتكون أنت بذلك أشمت بي حسّادي . ويساعد هذا المعنى الأخير قوله بعده : واسأل نجوم الليل الخ . . . اه .
واسأل نجوم اللّيل هل زار الكرى جفني وكيف يزور من لم يعرف
[ المعنى ]
وهذا البيت من محاسن البيوت الموصوفة بين أهل الذوق بألطف النعوت ، وهو مقرّر عدم نفع الخيال على تقدير إرساله إليه حيث كان الكرى لا يزور جفنه القريح ، ولم يلم بحمى جسده الجريح والشاهد على ذلك النجوم فإنها تراقبه وطائر السّهاد على جفنه يحوم وطرفه في لجّة دمعه يعوم ، وما ألطف استعارة الزيارة الرامزة إلى أن المتوقّع منه دخول الكرى إلى جفنه دخول زائر يتذكر أحبابه أحيانا فيتعهّد بالزيارة في الشهر أو العام مرّة أو مرّتين . وقوله « وكيف يزور من لم يعرف » : استفهام إنكاري يقتضي نفي الزيارة بتقريب يقتضي نفيها وهو عدم المعرفة . فإن قوله :
« واسأل نجوم الليل هل زار الكرى * جفني . . . . . . . . . . . . . . »
وإن كان يقتضي باعتبار مفهومه ملاحظة النفي من حاصل التركيب لكنها دعوى خلية عن التقريب بخلاف قوله « وكيف يزور من لم يعرف » فإنها دعوى بيّنة وحجة مبينة . وفي البيت إدماجان ؛ الأول أنه ملاحظ النجوم طول ليله فهو يرعاها ويستطيب مرعاها ، ولولا ذلك لما ساغ سؤال نجوم الليل عن زيارة الكرى لجفنه . والإدماج الثاني كونه لم ينم في عمره لأن عدم معرفة النوم للجفون دليل على أنه ما ألمّ بحماها ولا عرّج على موطنها ومرساها ، والذوق السليم بذلك شاهد وعليه من أدلته أعظم الشواهد . وقوله « وكيف يزور من لم يعرف » يشبه الرجوع البديعي لأن ما قبله يحتمل أن يكون أحد شقّيه بعد السؤال . الجواب بأن الكرى قد زار جفنه فرجع عنه رجوعا صريحا ينفي الاحتمال المذكور بالمرّة لما قرّرناه من التحقيق . فافهم ذلك فإنه من نفائس الأفكار وعرائس الأبكار ، وما ألطف قول إسحق النديم في المعنى :
هل لعيني إلى الرّقاد سبيل * إن عهدي بالنوم عهد طويل
( ن ) : الخطاب للمحبوب الحقيقي مع علمه بأنه يعلم ، فإن كلام العاشق مما يطوى ويكتم . والكرى النعاس كما في الصحاح فإذا كان الكرى لم يزر وهو أوائل النوم فكيف يزور النوم .
لا غرو إن شحّت بغمض جفونها عيني وسحّت بالدّموع الذّرّف