الأشياء المشروعة كالصلاة والسّلام على الرسول الكريم لا فرق فيها بين القرب والنأي ، فإنّها حاصلة في الحالتين ، وأمّا مشاهدة القبر الشريف نفسه ، ومشاهدة الأحجار نفسها ، فلا فضل فيها ولا ثواب بلا خلاف بين علماء الإسلام ، بل إنّ مشاهدته صلّى اللّه عليه وآله حينما كان حيّا لا فضل لها بذاتها ، وإنّما الفضل في الإيمان به والتعلّم منه والاقتداء به والنهج منهجه ومناصرته . وبالإجمال إنّ أحدا من الناس لن يستطيع أن يثبت لزيارة القبر الشريف فضلا ما ، وهذا واضح من سيرة المسلمين الأوّلين . . .
إلى آخر خرافاته ومخاريقه .
والقارئ جدّ عليم بأنّ هذه اللهجة القارصة ليست من شأن من أسلم وجهه للّه وهو محسن ، وآمن بالنبيّ الطاهر ، واعتنق بما جاء به من كتاب وسنّة ، ولا تسوّغها مكارم الأخلاق ومبادئ الإنسانيّة ، ولا يحبّذها أدب الإسلام المقدّس ؛ أيجوز لمسلم أن يسوّي بين مشاهدة الأحجار وبين رؤية النبيّ صلّى اللّه عليه وآله في حال حياته ؟ !
أيسوغ له أن لا يرى لزيارته حيّا وميّتا قيمة ولا كرامة ، ولا يعتبر لها فضلا ما ، وينعق بذلك في الملأ الدينيّ ؟ ! أليس من السيرة المطّردة بين البشر أنّ كلّ ملّة من الملل تستعظم زيارة كبرائها وزعمائها ، وتراها فضلا وشرفا وتعدّها للزائر مفخرة ومحمدة ، وتكثر إليها رغبات أفرادها لما يرون فيها من الكرامة ، وقد جرت على هذه سيرة العقلاء من الملل والنحل ، وعليه تصافقت الأجيال في أدوار الدنيا ، وكان يقدّر الناس - سلفا وخلفا - أعلام الدين بالزيارة والتبرّك بهم ؟ !
وشتّان بين هذا الرأي للقصيمي الفاسد وبين قول الشيخ تقيّ الدين السبكي في الشفاء « 1 » :
هامش
( 1 ) - شفاء السقام : 96 [ ص 130 ] .