ألا مسائل ابن حجر عن أنّ صحبة يومين في الغار الّتي تتصوّر على أنحاء ، وللقول فيها مجال واسع ، صحبة ما أمكنت الرجل من أن يصف صاحبه لمّا جاءه اليهود وقالوا : صف لنا صاحبك ؛ فقال : معشر اليهود ! لقد كنت معه في الغار كإصبعيّ هاتين ، ولقد صعدت معه جبل حراء وأنّ خنصري لفي خنصره ، ولكنّ الحديث عنه صلّى اللّه عليه وآله شديد ، وهذا عليّ ابن أبي طالب ؛ فأتوا عليّا فقالوا : يا أبا الحسن ! صف لنا ابن عمّك ، فوصفه . الحديث « 1 » .
كيف استحقّ الرجل بمثل هذه الصحبة الخلافة وصار بذلك أولى الناس بأمورهم ؟ ! وأمّا صحبة عليّ عليه السّلام إيّاه منذ نعومة أظفاره إلى آخر نفس لفظه صلّى اللّه عليه وآله حتّى عاد منه كالظلّ من ذيه ، وعدّ نفسه في الكتاب العزيز ، وقرنت ولايته بولاية اللّه وولاية نبيّه وجعلت مودّته أجر الرسالة ، فلم تستوجب استحقاقه بها الخلافة والاولويّة بأمور الناس بعد قوله صلّى اللّه عليه وآله : « من كنت مولاه فعليّ مولاه » ! إنّ هذا لشيء عجاب !
وإنّي لست أدري أنّ هذه المفاضلة المتسالم عليها بين الصحابة في حياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لماذا نسيها أولئك العدول بموته صلّى اللّه عليه وآله ؟ !
ولماذا لم يصفقوا على ذلك الاختيار الّذي كان يسمعه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فلا ينكره ؟ !
ووقع الخلاف والتشاحّ والتلاكم والتشاتم والنزاع ، حتّى كاد أن يقتل صنو النبيّ الأعظم في تلك المعمعة ، ورأت بضعته الصدّيقة ما رأت ، ووقعت وصمات لا تنسى طيلة حياة الدنيا ، وأرجئ دفن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ثلاثا ، وكانت الصحابة بمعزل عنه صلّى اللّه عليه وآله وعن إجنانه « 2 » ، وما حضر الشيخان دفنه .
قال النووي في شرح صحيح مسلم « 3 » :
هامش
( 1 ) - الرياض النضرة 2 : 195 [ 3 / 143 ] .
( 2 ) - [ يقال : أجنّه في قبره ، أي : دفنه ] .
( 3 ) - [ شرح صحيح مسلم 12 / 78 ] في كتاب الجهاد ، باب قول النبيّ : لا نورّث ما تركنا فهو صدقة ، عند قول عليّ عليه السّلام لأبي بكر : « لكنّك استبددت علينا بالأمر وكنّا نحن نرى لنا حقّا لقرابتنا من رسول اللّه » .