تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام — صفحة 366

مساهمون:

ص٣٦٦
بإساءة التدبير ، وقتل نفسه بشدة حرصه وحركته قبل وقته ، وأراد أن يتشبه بالإسكندر ، وأين الأعمى من المبصر وأين الوليّ من رجل تركي فإن الإسكندر مع فضله وعدله ولإظهاره كلمة التوحيد كان في صُحبته ثلاثمائة حكيم ، يسمع منهم ويطيع ، وكان معلمه أرسطوطاليس نائبه على بلاده ، ولا يحل ولا يعقد إلا بمشورته ومراسلته في استخراج رأيه . كذا قال الموفق ، وأخطأ في هذا كغيره ، فليس إسكندر صاحب أرسطوطاليس هو الذي قص الله سبحانه قصته في القرآن ، فالذي في القرآن رجل مؤمن ، وأما الآخر فمشرك يعبد الوثن واسمه إسكندر بن فلبّس المقدونيّ ، على دين الحكماء لا رعاهم الله ولم يملك الدنيا ولا طافها بل هو من جملة ملوك اليونان . قم قال الموفق : وقد عُلم بالتجربة والقياس أن كل ملِك لا يكون قصده إقامة وبسط العدل والعمارة فهو وشيك الزوال فأول ما صنع هذا أنه ظاهر أمة الخَطا ، فنازلهم بأمة التتر حتى استأصلهم ، ولم يُبق منهم إلا من دخل تحت طاعته ، وصار من عسكره . واستخدم سبعة أمراء من أخواله وجعلهم من قلب عسكره وخواصه . ثم انتقل إلى أمه التتر فمحقهم بالسيف ولم منهم إلا مستسلم في زمرته . وكانت بلاد ما وراء النهر في طاعة الخَطا ، وملوك بُخارى وسمرقند وغيرهما يؤدون الإتاوة إلى الخَطا ، والخَطا يبسطون فيهم العدل . وكانت هذه الأمم سداً بين تُرك الصين وبيننا ، ففتح هذا الملك بقلة معرفته هذا السد الوثيق . ثم أفسد تلك الممالك والأمصار ، وأتى على إخراب البلاد وإفساد القلوب ، وإبداعها أصناف الإحَنِ والعداوات ، وظن أنه لم يُبق فيهم مَن يقاومه ، فانتقل إلى خُراسان وسِجِتان وكِرمان ثم العراق وأذربيجان ، وطمع في الشام ومصر ، وحدّثته نفسه بجميع أقطار الأرض . وكان ذلك سهلاً عليه قد يسّره الله له لو ساعده التوفيق بحُسن التدبير وأصالة الرأي والرفق وعدم العَسف . وكان يستحضر التجّار ويكشف منهم أخبار الممالك النائية . وفي بعض الليالي قال لي ابن يَعلى وزير الملك الظاهر غازي : إن السلطان الليلة مهموم لِما اتصل به من أخبار خُوارزم شاه وطمعه في الشام .