ثم كتب بعد ذلك بالقلم الجافي : تحقيقاً للحق ، وتمحيقاً للباطل ، ونشراً للعدل ، وتقديماً للصلاح الشامل ، وإيثاراً للثواب الآجل على الحطام العاجل . .
إلى أن قال : فأيقنوا أن ذلك إنعام مستمر على الدهور ، باق إلى يوم النشور ، ف كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور . وسبيل كل واقف على هذا المثال من الولاة والعمال حذف ذلك كله ، وتعفية رسومه ، ومحو آثاره ، وإقراره وإطلاقه على الإطلاق ، فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم . والتوقيع الأعلى حجة لمضمونه ومقتضاه .
وكتب بيده الكريمة شرفها الله ، في مستهل رجب سنة سبع وستين وخمسمائة .
ومن شجاعته ، نقل ابن واصل وغيره أنه كان من أقوى الناس بدناً وقلباً ، وأنه لم ير على ظهر فرس أشد منه ، كأنما خلق عليه ولا يتحرك . وكان من أحسن الناس لعباً بالكرة ، تجري الفرس ويتناولها من الهواء بيده ، ويرميها إلى آخر الميدان . وكان يمسك الجوكان بكم قبائه استهانة باللعب . وكان إذا حضر الحرب أخذ قوسين وتركاشين ، وباشر القتال بنفسه .
وكان يقول : طالما تعرضت للشهادة فلم أدركها .
قلت : قد أدركتها على فراشك ، وبقي ذلك في أفواه المسلمين تراهم يقولون : نور الدين الشهيد .
وما شهادته إلا بالخوانيق رحمه الله .
تاريخ الإسلام — صفحة 384
مساهمون: الذهبي
ص٣٨٤