إنساناً يردّني عن ذلك ، حتى كان في بعض )
الليالي رأيت في المنام كأني قد دخلت إلى المسجد عند شيخنا أبي منصور ، وهو قاعد في زاويته ، وبجنبه رجل عليه ثيابُ بياض ، ورداء على عمامته يشبه الثياب الريفية ، درّيُّ اللون ، وعليه نورٌ وبهاء ، فسلّمت ، وجلست بين أيديهما ، ووقع في نفسي له هيبة ، وأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما جلست التفتَ إلي الرجل ، فقال لي : عليك بمذهب هذا الشيخ ، عليك بمذهب هذا الشيخ ، عليك بمذهب هذا الشيخ .
فانتبهت مرعوباً ، وجسمي يرجف ويرعد ، فقصصت ذلك على والدتي ، وبكّرت إلى الشيخ لأقرأ عليه ، فحكيت له ذلك ، وقصصت عليه الرؤيا ، فقال لي : يا ولدي ، ما مذهب الشافعي الذي هو مذهبك إلا حسن ، ولا أقول لك أترك مذهبك ، ولكن لا تعتقد اعتقاد الأشعري .
فقلت : ما أريد أن أكون نصفين ، فأنا أشهدُك وأشهد الجماعة أنني منذ اليوم على مذهب أحمد بن حنبل في الأصول والفروع .
فقال لي : وفّقك الله .
ثم أخذت من ذلك الوقت في سماع كتب أحمد بن حنبل ومسائله ، والتفقّه على مذهبه ، وسماع مسنده . وذلك في شهر رمضان من سنة ثلاثٍ وتسعين وأربعمائة .
قال : وسمعت شيخنا عبد الوهاب بن سكينة غير مرة يقول : قلت لشيخنا ابن ناصر : أريد أن أقرأ عليك شرح ديوان المتنبي لأبي زكريا ، وكان يرويه عنه ، فقال : إنك دائماً تقرأ عليّ الحديث مجاناً . وهذ شِعر ، ونحن نحتاج إلى دفع شيء من الأجر عليه ، لأنه ليس من الأمور الدينية . فذكرت ذلك لأبي ، فأعطاني خمسة دنانير ، فدفعتها إليه ، وقرأت عليه الكتاب .
قلت : روى عنه : ابن عساكر ، وابن السمعاني ، وأبو طاهر السلفي ، وقال : سمع معنا كثيراً ، وهو شافعي المذهب ، أشعري المعتقد ، ثم انتقل إلى مذهب أحمد في الأصول والفروع ، ومات عليه .
وكان هو وأبو منصور الجواليقي
تاريخ الإسلام — صفحة 409
مساهمون: الذهبي
ص٤٠٩