تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام — صفحة 393

مساهمون:

ص٣٩٣
وكان قد سافر فوقع في أسر الروم ، وبقي سنةً ونصفاً ، وقيدوه وغلوه ، وأرادوه أن ينطق بكلمة الكفر ، فلم يفعل ، وتعلم منهم الخط الرومي . وسمعته يقول : من خدم المحابر خدمته المنابر . وسمعته يقول : يجب على المعلم أن لا يعنف ، وعلى المتعلم أن لا يأنف . ورأيته بعد ثلاثٍ وتسعين سنة صحيح الحواس ، لم يتغير منها شيء ، ثابت العقل ، يقرأ الخط الدقيق من بعد . ودخلنا عليه قبل موته بمديدة فقال : نزلت في أذني مادة ، فقرأ علينا من حديثه ، وبقي على هذا نحواً من شهرين ، ثم زال ذلك ، وعاد إلى الصحة ، ثم مرض فأوصى أن يعمق قبره زيادةً على العادة ، وأن يكتب على قبره قل هو نبأٌ عظيمٌ أنتم عنه معرضون ، وبقي ثلاثة أيام لا يفتر من قراءة القرآن ، إلى أن توفي قبل الظهر ثاني رجب . قال ابن السمعاني : ما رأيت أجمع للفنون منه ، نظر في كل علم ، وبرع في الحساب والفرائض ، وسمعته يقول : ثبت من كل علم تعلمته إلا الحديث وعلمه . ورأيته وما تغير من حواسه شيء . وكان يقرأ الخط البعيد الدقيق . وكان سريع النسخ ، حسن القراءة للحديث . وكان يشتغل بمطالعة الأجزاء التي معي ، وأنا مكب على القراءة ، فاتفق أنه وجد جزءاً من حديث أبي الفضل الخزاعي ، قرأته بالكوفة على الشريف عمر بن إبراهيم الحسيني ، بإجازته من محمد بن علي بن عبد الرحمن العلوي ، وفيه حكايات مليحة فقال : اتركه عندي . ) فلما رجعت من الغد أخرج الجزء وقد نسخه جميعه ، وقال : اقرأه حتى أسمعه .
تاريخ الإسلام — صفحة 393 | الذهبي / عمر عبد السلام التدمري