وأما مسألة خلق القرآن فلم يرجع عنها وصمم عليها في سنة ثمان عشرة . وامتحن العلماء ، فعوجل ولم يمهل . توجه غازياً إلى أرض الروم فلما وصل إلى البذندون واشتد به الأمر أوصى بالخلافة إلى أخيه المعتصم .
وكان قد افتتح في غزوته أربعة عشر حصناً . ورد فنزل على عين البذندون ، فأقام هناك واعتل .
قال المسعودي : أعجبه برد ماء العين وصفاؤها ، وطيب الموضع وكثرة الخضرة .
وقد طرح له درهم في العين ، فقرأ ما عليه لفرط صفائها . ولم يقدر أحد أن يسبح فيها لشدة بردها . فرأى سمكة نحو الذراع كأنها الفضة . فجعل لمن يخرجها سيفاً ، فنزل فراشٌ فاصطادها وطلع ، فاضطربت وفرت إلى الماء فتنضح صدر المأمون ونحره وابتل ثوبه . ثم نزل الفراش ثانيةً وأخذها . فقال المأمون : تقلى الساعة . ثم أخذته رعدة فغطي باللحف وهو يرتعد ويصيح .
فأوقدت حوله نارٌ . ثم أتي بالسمكة فما ذاقها لشغله بحاله . فسأل المعتصم بختيشوع وابن ماسويه عن مرضه ، فجساه ، فوجدا نبضه خارجاً عن الاعتدال ، منذراً بالفناء ، ورأيا عرقاً سائلاً منه كلعاب اللاغية فأنكراه ولم يجداه في كتب الطب .
ثم أفاق المأمون من غمرته ، فسأل عن تفسير اسم المكان بالعربي ، فقيل له : مد رجليك .
فتطير به . وسأل عن اسم البقعة ، فقيل الرقة . وكان فيما عمل من مولده أنه يموت بالرقة .
فكان يتجنب النزول بالرقة . فلما سمع هذا من الروم عرف وأيس ، وقال : يا من لا يزول ملكه )
ارحم من قد زال ملكه .
وأجلس المعتصم عنده من يلقنه الشهادة لما ثقل . فرفع الرجل بها صوته ، فقال له ابن ماسويه : لا تصيح ، فوالله ما يفرق الآن بين ربه وبين ماني . ففتح
تاريخ الإسلام — صفحة 239
مساهمون: الذهبي
ص٢٣٩