تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البحر المحيط — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
( سقط : في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ) إخراج أضغانهم ، وهو حقودها : إبرازها للرسول والمؤمنين ؛ والظاهر أنها من رؤية البصر لعطف العرفان عليه ، وهو معرفة القلب . واتصل الضمير في أريناكهم ، وهو الأفصح ، وإن كان يجوز الانفصال . وفي هاتين الجملتين تقريب لشهرتهم ، لكنه لم يعينهم بأسمائهم ، إبقاء عليهم وعلى قراباتهم ، واكتفاء منهم بما يتظاهرون به من اتباع الشرع ، وإن أبطنوا خلافه . * ( وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ الْقَوْلِ ) * : كانوا يصطلحون فيما بينهم من ألفاظ يخاطبون بها الرسول ، مما ظاهره حسن ويعنون به القبيح ، وكانوا أيضاً يصدر منهم الكلام يشعر بالاتباع ، وهم بخلاف ذلك ، كقولهم عند النصر : * ( إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ ) * ، وغير ذلك ، كقولهم : * ( لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ ) * ، وقوله : * ( إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ ) * . والظاهر الإراءة والمعرفة بالسيماء ، وجود المعرفة في المستقبل بلحن القول . واللام في : * ( وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ ) * ، لام جواب القسم المحذوف . * ( وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ ) * : خطاب عام يشمل المؤمن والكافر ؛ وقيل : خطاب للمؤمنين فقط . وقرأ الجمهور : * ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ ) * ، ونبلو : بالنون والواو ؛ وأبو بكر : بالياء فيهن وأويس ، ونبلو : بإسكان الواو وبالنون ؛ والأعمش : بإسكانها وبالياء ، وذلك على القطع ، إعلاماً بأن ابتلاءه دائم . ومعنى : * ( حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ ) * : أي نعلمهم مجاهدين قد خرج جهادهم إلى الوجود ، وبأن مسكهم الذي يتعلق به ثوابهم . * ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ ) * : ناس من بني إسرائيل ، وتبين هداهم : معرفتهم بالرسول من التوراة ، أو منافقون كأن الإيمان قد داخل قلوبهم ثم نافقوا ؛ والمطعمون : سفرة بدر ؛ وتبين الهدى : وجوده عند الداعي إليه ، أو مشاعة في كل كافر ؛ وتبين الهدى من حيث كان في نفسه ، أقوال . * ( وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ ) * : أي التي كانوا يرجون بها انتفاع ، وأعمالهم التي كانوا يكيدون بها الرسول ودين الإسلام . * ( ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ ) * : قيل نزلت في بني إسرائيل ، أسلموا وقالوا لرسول الله : قد آثرناك وجئناك بنفوسنا وأهلنا ، كأنهم منوا بذلك ، فنزلت فيهم هذه الآية . وقوله : * ( يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ ) * ، فعلى هذا يكون : * ( وَلاَ تُبْطِلُواْ أَعْمَالَكُمْ ) * بالمن بالإسلام . وعن ابن عباس : بالرياء والسمعة ، وعنه : بالشرك والنفاق ؛ وعن حذيفة : بالكبائر ، وقيل : بالعجب ، فإنه يأكل الحسنات ، كما تأكل النار الحطب . وعن مقاتل : بعصيانكم للرسول . وقيل : أعمالكم : صدقاتكم بالمن والأذى . * ( وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ ) * : عام في الموجب لانتفاء الغفران ، وهو وفاتهم على الكفر . وقيل : هم أهل القليب . وقيل : نزلت بسبب عدي بن حاتم ، رضي الله عنه ، سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ) عن أبيه قال : وكانت له أفعال بر ، فما حاله ؟ فقال : ( في النار ) ، فبكى عدي وولى ، فدعاه فقال له : ( أبي وأبوك وأبو إبراهيم خليل الرحمن في النار ) ، فنزلت . * ( فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُواْ إِلَى السَّلْمِ ) * : وهو الصلح . وقرأ الجمهور : وتدعوا ، مضارع دعا ؛ والسلمي : بتشديد الدال ، أي تفتروا ؛ والجمهور : إلى السلم ، بفتح السين ؛ والحسن ، وأبو رجاء ، والأعمش ، وعيسى ، وطلحة ، وحمزة ، وأبو بكر : بكسرها . وتقدم الكلام على السلام في البقرة في قوله : * ( ادْخُلُواْ فِي السّلْمِ كَافَّةً ) * وقال الزمخشري : وقرئ : ولا تدعوا من ادعى القوم ، وتداعوا إذا ادعوا ، نحو قولك : ارتموا الصيد وتراموا . انتهى . والتلاوة بغير لا ، وكان يجب أن يأتي بلفظ التلاوة فيقول : وقرئ : وتدعوا معطوف على تهنوا ، فهو مجزوم ، ويجوز أن يكون مجزوماً بإضمار إن . * ( وَأَنتُمُ الاْعْلَوْنَ ) * : أي الأعليون ، وهذه الجملة حالية ؛ وكذا : * ( وَاللَّهُ مَعَكُمْ ) * . ويجوز أن يكونا