هكذا ، فسول يجوز أن يكون من ذوات الهمز . وقال صاحب اللوامح : والتسويل أصله من الإرخاء ، ومنه : * ( فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ) * . والسول : استرخاء البطن . وقرأ زيد بن علي : * ( سَوَّلَ لَهُمْ ) * : أي كيده على تقدير حذف مضاف . وقرأ الجمهور : * ( وَأَمْلَى لَهُمْ ) * مبنياً للفاعل ، والظاهر أنه يعود على الشيطان ، وقاله الحسن ، وجعل وعده الكاذب بالبقاء ، كالإبقاء . والإبقاء هو البقاء ملاوة من الدهر يمد لهم في الآمال والأماني . قيل : ويحتمل أن يكون فاعل أملى ضميراً يعود على الله ، وهو الأرجح ، لأن حقيقة الإملاء إنما هو من الله . وقرأ ابن سيرين ، والجحدري ، وشيبة ، وأبو عمرو ، وعيسى : وأملى مبنياً للمفعول ، أي أمهلوا ومدوا في عمرهم . وقرأ مجاهد ، وابن هرمز ، والأعمش ، وسلام ، ويعقوب : وأملي بهمزة المتكلم مضارع أملى ، أي وأنا أنظرهم ، كقوله : * ( أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ ) * ، ويجوز أن يكون ماضياً سكنت منه الياء ، كما تقول في يعي بسكون الياء .
* ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ ) * . وروي أن قوماً من قريظة والنضير كانوا يعينون المنافقين في أمر الرسول ، والخلاف عليه بنصره ومؤازرته ، وذلك قوله : * ( سَنُطِيعُكُمْ فِى بَعْضِ الاْمْرِ ) * . وقيل : الضمير في قالوا للمنافقين ؛ والذين كرهوا ما نزل الله : هم قريظة والنضير ؛ وبعض الأمر : قول المنافقين لهم : * ( لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ ) * ، قاله ابن عباس . وقيل : بعض الأمر : التكذيب بالرسول ، أو بلا إله إلا الله ، أو ترك القتال معه . وقيل : هو قول الفريقين ، اليهود والمنافقين ، للمشركين : سنطيعكم في التكافؤ على عداوة الرسول والقعود عن الجهاد معه ، وتعين في بعض الأمر في بعض ما يأسرون به ، أو في بعض الأمر الذي يهمكم . وقرأ الجمهور : أسرارهم ، بفتح الهمزة ، وكانت أسرارهم كثيرة . وابن وثاب ، وطلحة ، والأعمش ، وحمزة ، والكسائي ، وحفص : بكسرها : وهو مصدر ؛ قالوا ذلك سراً فيما بينهم ، وأفشاه الله عليهم . وقال أبو عبد الله الرازي : الأظهر أن يقال : والله يعلم أسرارهم ، ما في قلوبهم من العلم بصدق محمد عليه السلام ، فإنهم كانوا معاندين مكابرين ، وكانوا يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ، كما يعرفون أبناءهم . انتهى .
* ( فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ ) * : تقدم شرح : * ( الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ ) * ، ومبلغهم لأجل القتال . وتقدم قول المرتدين ، وما يلحقهم في ذلك من جزائهم على طواعية الكاذبين ما أنزل الله . وتقدم : * ( وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ ) * ؛ فجاء هذا الاستفهام الذي معناه التوقيف عقب هذه الأشياء . فقال الطبري : فكيف علمه بها ، أي بأسرارهم إذا توفتهم الملائكة ؟ وقيل : فكيف يكون حالهم مع الله فيما ارتكبوه من ذلك القول ؟ وقرأ الأعمش : توفاهم ، بألف بدل التاء ، فاحتمل أن يكون ماضياً ومضارعاً حذفت منه التاء ، والظاهر أن وقت التوفي هو عند الموت . وقال ابن عباس : لا يتوفى أحد على معصيته إلا تضرب الملائكة في وجهه وفي دبره . والملائكة : ملك الموت والمصرفون معه . وقيل : هو وقت القتال نصرة للرسول ؛ يضرب وجوههم أن يثبتوا ؛ وأدبارهم : انهزموا . والملائكة : النصر . والظاهر أن يضربون حال من الملائكة ؛ وقيل : حال من الضمير في توفاهم ، وهو ضعيف . * ( ذالِكَ ) * : أي ذلك الضرب للوجوه والأدبار ؛ * ( بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُواْ مَا أَسْخَطَ اللَّهَ ) * : وهو الكفر ، أو كتمان بعث الرسول ، أو تسويل الشيطان ، أقوال . والمتبع الشيء هو مقبل بوجهه عليه ، فناسب ضرب الملائكة وجهه . * ( وَكَرِهُواْ رِضْوَانَهُ ) * : وهو الإيمان بالله واتباع دينه . والكافر للشيء متول عنه ، فناسب ضرب الملائكة دبره ؛ ففي ذلك مقابلة أمرين بأمرين .
* ( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ * وَلَوْ نَشَاء لارَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ * وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّواْ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَن يَضُرُّواْ اللَّهَ شَيْئا ( سقط : إلى آخر الآية ) ً ) *
تفسير البحر المحيط — صفحة 83
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٨٣