تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البحر المحيط — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
* وأعددت للحرب أوزارها * رماحاً طوالاً وخيلاً ذكورا * أنشده ابن عطية لعمرو هذا ، وأنشده الزمخشري للأعشى . وقيل : الأوزار هنا : الآثام ، لأن الحرب لا بد أن يكون فيها آثام في أحد الجانبين ، وهذه الغاية . قال مجاهد : حتى ينزل عيسى بن مريم . وقال قتادة : حتى يسلم الجميع : وقيل : حتى تقتلوهم . وقال ابن عطية : وظاهر اللفظ أنها استعارة يراد بها التزام الأمر أبداً ، وذلك أن الحرب بين المؤمنين والكافرين لا يضيع أوزارها ، فجاء هذه ، كما تقول : أنا أفعل كذا وكذا إلى يوم القيامة ، فإنما تريد أنك تفعله دائماً . وقال الزمخشري : وسميت ، يعني آلات الحرب من السلاح والكراع ، أوزارها ، لأنه لما لم يكن لها بد من جرها ، فكأنها تحملها وتستقل بها ؛ فإذا انقضت ، فكأنها وضعتها . وقيل : أوزارها : آثامها ، يعني حتى يترك أهل الحرب ، وهم المشركون ، شركهم ومعاصيهم ، بأن يسلموا . والظاهر أن ضرب الرقاب ، وهو القتل مغياً بشد الوثاق وقت حصول الإثخان ، وأن قوله : * ( فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ ) * ، أي بعد الشذ ، * ( وَإِمَّا فِدَاء ) * ، حالتان للمأسور ، إما أن يمن عليه بالإطلاق ، كما منّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ) بإطلاق ثمامة بن أثال الحنفي ، وإما أن يفدى ، كما روي عنه عليه السلام أنه فودي منه رجلان من الكفار برجل مسلم . وهذه الآية معارض ظاهرها لقوله تعالى : * ( فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ) * . فذهب ابن عباس ، وقتادة ، وابن جريج ، والسدي ، والضحاك ، ومجاهد ، إلى أنها منسوخة بقوله : * ( فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ ) * الآية ، وأن الأسر والمن والفداء مرتفع ، فإن وقع أسير قتل ولا بد إلا أن يسلم . وروي نحوه عن أبي بكر الصديق ، وذهب ابن عمر ، وعمر بن عبد العزيز ، وعطاء ، والحسن ، إلى أن هذه مخصصة لعموم تلك ، والمنّ والفداء ثابت . وقال الحسن : لا يقتل الأسير إلا في الحرب ، يهيب بذلك على العدو . وذهب أكثر العلماء إلى أن أهل الكتاب فيهم المنّ والفداء وعباد الأوثان ، ليس فيهم إلا القتل ، فخصصوا من المشركين أهل الكتاب ، وخصص من الكفار عبدة الأوثان . وأما مذهب الأئمة اليوم : فمذهب أبي حنيفة أن الإمام يخير في القتل والاسترقاق ؛ ومذهب الشافعي أنه مخير في القتل والاسترقاق والفداء والمن ؛ ومذهب مالك أنه مخير في واحد من هذه الأربعة ، وفي ضرب الجزية . والظاهر أن قوله : * ( وَإِمَّا فِدَاء ) * ، يجوز فداؤه بالمال وبمن أسر من المسلمين . وقال الحسن : لا يفدى بالمال . وقرأ السلمي : فشدوا ، بكسر الشين ، والجمهور : بالضم . والوثاق : بفتح الواو ، وفيه لغة الوثاق ، وهو اسم لما يوثق به ، وانتصب مناً وفداء بإضمار فعل يقدر من لفظهما ، أي فإما تمنون مناً ، وإما تفدون فداء ، وهو فعل يجب إضماره ، لأن المصدر جاء تفصيل عاقبة ، فعامله مما يجب إضماره ، ونحوه قول الشاعر : * لأجهدنّ فإما درء واقعة * تخشى وإما بلوغ السؤل والأمل * أي : فإما أدرأ درأ واقعة ، وإما أبلغ بلوغ السؤل . وقال أبو البقاء : ويجوز أن يكونا مفعولين ، أي أدوهم منا واقبلوا ، وليس إعراب نحوي . وقرأ ابن كثير في رواية شبل : وإما فدى بالقصر . قال أبو حاتم : لا يجوز قصره لأنه مصدر فاديته ، وهذا ليس بشيء ، فقد حكى الفراء فيه أربع لغات : فداء لك بالمد والإغراء ، وفدى لك بالكسر بياء