تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البحر المحيط — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨
الحمقاء . و * ( مِن فِرْعَوْنَ ) * : بدل * ( مّنَ الْعَذَابِ ) * ، على حذف مضاف ، أي من عذاب فرعون . أولاً حذف جعل فرعون نفسه هو العذاب مبالغة . وقيل : يتعلق بمحذوف ، أي كائناً وصادراً من فرعون . وقرأ ابن عباس : * ( مِن فِرْعَوْنَ ) * ، من : استفهام مبتدأ ، وفرعون خبره . لما وصف فرعون بالشدة والفظاعة قال : من فرعون ؟ على معنى : هل تعرفونه من هو في عتوه وشيطنته ؟ ثم عرف حاله في ذلك بقوله : * ( إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ الْمُسْرِفِينَ ) * : أي مرتفعاً على العالم ، أو متكبراً مسرفاً من المسرفين . * ( وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ ) * : أي اصطفيناهم وشرفناهم . * ( عَلَى عِلْمٍ ) * علم مصدر لم يذكر فاعله ، فقيل : على علم منهم ، وفضل فيهم ، فاخترناهم للنبوات والرسالات . وقيل : على علم منا ، أي عالمين بمكان الخيرة ، وبأنهم أحقاء بأن يختاروا . وقيل : على علم منا بما يصدر من العدل والإحسان والعلم والإيمان ، بأنهم يزيفون ، وتفرط منهم الهنات في بعض الأموال . وقيل : اخترناهم بهذا الإنجاء وهذه النعم على سابق علم لنا فيهم ، وخصصناهم بذلك دون العالم . * ( عَلَى الْعَالَمِينَ ) * : أي عالمي زمانهم ، لأن أمة محمد صلى الله عليه وسلم ) مفضلة عليهم . وقيل : على العالمين عام لكثرة الأنبياء فيهم ، وهذا خاص بهم ليس لغيرهم . وكان الاختيار من هذه الجهة ، لأن أمة محمد أفضل . وعلى ، في قوله : * ( عَلَى عِلْمٍ ) * ، ليس معناها معنى على في قوله : * ( عَلَى الْعَالَمِينَ ) * ، ولذلك تعلقا بفعل واحد لما اختلف المدلول ، كقوله : * ويوماً على ظهر الكتيب تعذرت * عليّ وآلت حلفة لم يحلل * فعلى علم : حال ، إما من الفاعل ، أو من المفعول . وعلى ظهر : حال من الفاعل في تعذرت ، والعامل في ذي الحال . * ( وَءاتَيْنَاهُم مِنَ الاْيَاتِ ) * : أي المعجزات الظاهرة في قوم فرعون ، وما ابتلوا به ؛ وفي بني إسرائيل مما أنعم به عليهم من تظليل الغمام والمنّ والسلوى ، وغير ذلك مما لم يظهرها لغيرهم . * ( مَا فِيهِ بَلَؤٌ اْ ) * : أي اختبار بالنعم ظاهر ، أو الابتلاء بالنعم كقوله : * ( وَنَبْلُوكُم بِالشَّرّ وَالْخَيْرِ ) * . * ( إِنَّ هَؤُلآء ) * : يعني قريشاً ، وفي اسم الإشارة تحقير لهم . * ( لَيَقُولُونَ * إِنْ هِىَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الاْوْلَى ) * : أي ما الموتة إلا محصورة في موتتنا الأولى . وكان قد قال تعالى : * ( وَكُنتُمْ أَمْواتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ) * ، فذكر موتتين ، أولى وثانية ، فأنكروا هم أن يكون لهم موتة ثانية . والمعنى : ما آخر أمرنا ومنتهى وجودنا إلا عند موتتنا . فيتضمن قولهم هذا إنكار البعث ، ثم صرحوا بما تضمنه قولهم ، فقالوا : * ( وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ ) * : أي بمبعوثين بحياة دائمة يقع فيها حساب وثواب وعقاب ؛ وكان قولهم ذلك في معنى قولهم : * ( إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ) * . * ( فَأْتُواْ بِئَابَائِنَا ) * : خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ) ، وللمؤمنين الذين كانوا يعدونهم بالبعث ، أي إن صدقتم فيما تقولون ، فأحيوا لنا من مات من أبنائنا ، بسؤالكم ربكم ، حتى يكون ذلك دليلاً على البعث في الآخرة . قيل : طلبوا من الرسول أن يدعوا الله فيحيى لهم قصي بن كلاب ، ليشاوروه في صحة النبوة والبعث ، إذ كان كبيرهم ومشاورهم في النوازل . * ( أَهُمْ ) * : أي قريش ، * ( خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ ) * ؟ الظاهر أن تبعاً هو شخص معروف ، وقع التفاضل بين قومه وقوم الرسول عليه الصلاة والسلام . وإن كان لفظ تبع يطلق على كل من ملك العرب ، كما يطلق كسرى على من ملك الفرس ، وقيصر على من ملك الروم ؛ قيل : واسمه أسعد الحميري ، وكنى أبا كرب ؛ وذكر أبو حاتم الرياشي أنه آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ) قبل أن يبعث بسبعمائة سنة . وروي أنه لما آمن بالمدينة ، كتب كتاباً ونظم شعراً . أما الشعر فهو : * شهدت على أحمد أنه * رسول من الله باري النسم * * فلو مد عمري إلى عمره * لكنت وزيراً له وابن عم * وأما الكتاب ، فروى ابن إسحاق وغيره أنه كان فيه : أما بعد : فإني آمنت بك ، وبكتابك الذي أنزل عليك ، وأنا على