* بكرت عليه غدوة فرأيته
*
قعوداً عليه بالصريم عواذله
*
* ( إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ ) * : الظاهر أنه من صرام النحل . قيل : ويحتمل أن يريد : إن كنتم أهل عزم وإقدام على رأيكم ، من قولك : سيف صارم . * ( يَتَخَافَتُونَ ) * : يخفون كلامهم خوفاً من أن يشعر بهم المساكين . * ( أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا ) * : أي يتخافتون بهذا الكلام وهو لا يدخلنها ، وأن مصدرية ، ويجوز أن تكون تفسيرية . وقرأ عبد الله وابن أبي عبلة : لا يدخلنها ، بإسقاط أن على إضمار يقولون ، أو على إجراء يتخافتون مجرى القول ، إذ معناه : يسارون القول والنهي عن الدخول . نهى عن التمكين منه ، أي لا تمكنوهم من الدخول فيدخلوا . * ( وَغَدَوْاْ عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ ) * : أي على قصد وقدوة في أنفسهم ، يظنون أنهم تمكنوا من مرادهم . قال معناه ابن عباس ، أي قاصدين إلى جنتهم بسرعة ، قادرين عند أنفسهم على صرامها . قال أبو عبيدة والقتبي : * ( عَلَى حَرْدٍ ) * : على منع ، أي قادرين في أنفسهم على منع المساكين من خيرها ، فجزاهم الله بأن منعهم خيراً . وقال الحسن : * ( عَلَى حَرْدٍ ) * ، أي حاجة وفاقة . وقال السدي وسفيان : * ( عَلَى حَرْدٍ ) * : على غضب ، أي لم يقدروا إلا على حنق وغضب بعضهم على بعض . وقيل : * ( عَلَى حَرْدٍ ) * : على انفراد ، أي انفردوا دون المساكين . وقال الأزهري : حرد اسم قريتهم . وقال السدي : اسم جنتهم ، أي غدوا على تلك الجنة قادرين على صرامها عند أنفسهم ، أو مقدرين أن يتم لهم مرادهم من الصرام . قيل : ويحتمل أن يكون من التقدير بمعنى التضييق لقوله تعالى : * ( وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ ) * ، أي مضيقين على المساكين ، إذ حرموهم ما كان أبوهم ينيلهم منها .
* ( فَلَمَّا رَأَوْهَا ) * : أي على الحالة التي كانوا غدوها عليها ، من هلاكها وذهاب ما فيها من الخير ، * ( قَالُواْ إِنَّا لَضَالُّونَ ) * : أي عن الطريق إليها ، قاله قتادة . وذلك في أول وصولهم أنكروا أنها هي ، واعتقدوا أنهم أخطأوا الطريق إليها ، ثم وضح لهم أنها هي ، وأنه أصابها من عذاب الله ما أذهب خيرها . وقيل : لضالون عن الصواب في غدونا على نية منع المساكين ، فقالوا : * ( بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ) * خيرها بخيانتنا على أنفسنا . * ( قَالَ أَوْسَطُهُمْ ) * : أي أفضلهم وأرجحهم عقلاً ، * ( أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبّحُونَ ) * : أنبهم ووبخهم على تركهم ما حضهم عليه من تسبيح الله ، أي ذكره وتنزيهه عن السوء ، ولو ذكروا الله وإحسانه إليهم لامتثلوا ما أمر به من مواساة المساكين واقتفوا سنة أبيهم في ذلك . فلما غفلوا عن ذكر الله تعالى وعزموا على منع المساكين ، ابتلاهم الله ، وهذا يدل على أن أوسطهم كان قد تقدم إليهم وحرضهم على ذكر الله تعالى . وقال مجاهد وأبو صالح : كان استثناؤهم سبحان الله . قال النحاس : جعل مجاهد التسبيح موضع إن شاء الله ، لأن المعنى تنزيه الله أن يكون شيء إلا بمشيئته . وقال الزمخشري : لالتقائهما في معنى التعظيم لله ، لأن الاستثناء تفويض إليه ، والتسبيح تنزيه له ، وكل واحد من التفويض والتنزيه تعظيم له . وقيل : * ( لَوْلاَ تُسَبّحُونَ ) * : تستغفرون .
ولما انبهم ، رجعوا إلى ذكر الله تعالى ، واعترفوا على أنفسهم بالظلم ، وبادروا إلى تسبح الله تعالى فقالوا : * ( سُبْحَانَ رَبّنَا ) * . قال ابن عباس : أي نستغفر الله من ذنبنا . ولما أقروا بظلمهم ، لام بعضهم بعضاً ، وجعل اللوم في حيز غيره ، إذ كان منهم من زين ، ومنهم من قبل ، ومنهم من أمر بالكف ، ومنهم من عصى الأمر . ومنهم من سكت على رضا منه . ثم اعترفوا بأنهم طغوا ، وترجوا انتظار الفرج في أن يبدلهم خيراً من تلك الجنة ، * ( عَسَى رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا ) * : أي بهذه الجنة ، * ( خَيْرٌ مّنْهَا ) * : وتقدم الكلام في الكهف ، والخلاف في تخفيف يبدلنا ، وتثقيلها منسوباً إلى القراء . * ( إِنَّا إِلَى رَبّنَا راغِبُونَ ) * : أي طالبون إيصال الخير إلينا منه . والظاهر أن أصحاب هذه الجنة كانوا مؤمنين أصابوا معصية وتابوا . وقيل : كانوا من أهل الكتاب . وقال عبد الله بن مسعود : بلغني أن القوم دعوا الله وأخلصوا ، وعلم الله منهم الصدق فأبدلهم بها جنة ، وكل عنقود منها كالرجل الأسود القائم . وعن مجاهد : تابوا فأبدوا خيراً منها . وقال القشيري : المعظم يقولون أنهم تابوا
تفسير البحر المحيط — صفحة 307
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٣٠٧