* يجول بأطراف البلاد مغربا
*
وتسحقه ريح الصبا كل مسحق
*
والفعل منه ثلاثي . وقال الزجاج : أي أسحقهم الله سحقاً ، أي باعدهم بعداً . وقال أبو علي الفارسي : القياس إسحاقاً ، فجاء المصدر على الحذف ، كما قيل :
وإن أهلك فذلك كان قدري
أي تقديري . انتهى ، ولا يحتاج إلى ادعاء الحذف في المصدر لأن فعله قد جاء ثلاثياً ، كما أنشد :
وتسحقه ريح الصبا كل مسحق
وقرأ الجمهور : بسكون الحاء ؛ وعلي وأبو جعفر والكسائي ، بخلاف عن أبي الحرث عنه : بضمها . قال ابن عطية : * ( فَسُحْقًا ) * : نصباً على جهة الدعاء عليهم ، وجاز ذلك فيه ، وهو من قبل الله تعالى من حيث هذا القول فيهم مستقر أولاً ، ووجوده لم يقع إلا في الآخرة ، فكأنه لذلك في حيز المتوقع الذي يدعى به ، كما تقول : سحقاً لزيد وبعداً ، والنصب في هذا كله بإضمار فعل ، وإن وقع وثبت ، فالوجه فيه الرفع ، كما قال تعالى : * ( وَيْلٌ لّلْمُطَفّفِينَ ) * ، و * ( سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ) * ، وغير هذا من الأمثلة . انتهى . * ( يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ ) * : أي الذي أخبروا به من أمر المعاد وأحواله ، أو غائبين عن أعين الناس ، أي في خلواتهم ، كقوله : ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه . * ( وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ ) * : خطاب لجميع الخلق . قال ابن عباس : وسببه أن بعض المشركين قال لبعض : أسروا قولكم لا يسمعكم إله محمد . * ( أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ) * : الهمزة للاستفهام ولا للنفي ، والظاهر أن من مفعول ، والمعنى : أينتفي علمه بمن خلق ، وهو الذي لطف علمه ودق وأحاط بخفيات الأمور وجلياتها ؟ وأجاز بعض النحاة أن يكون من فاعلاً والمفعول محذوف ، كأنه قال : ألا يعلم الخالق سركم وجهركم ؟ وهو استفهام معناه الإنكار ، أي كيف لا يعلم ما تكلم به من خلق الأشياء وأوجدها من العدم الصرف وحاله أنه اللطيف الخبير المتوصل علمه إلى ما ظهر من خلقه وما بطن ؟
* ( هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الاْرْضَ ذَلُولاً ) * : منة منه تعالى بذلك ، والذلول فعول للمبالغة ، من ذلك تقول : دابة ذلول : بينة الذل ، ورجل ذليل : بين الذل . وقال ابن عطية : والذلول فعول بمعنى مفعول ، أي مذلولة ، فهي كركوب وحلوب . انتهى . وليس بمعنى مفعول لأن فعله قاصر ، وإنما تعدى بالهمزة كقوله : * ( وَتُذِلُّ مَن تَشَاء ) * ، وأما بالتضعيف لقوله : * ( وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ ) * ، وقوله : أي مذلولة يظهر أنه خطأ . * ( فَامْشُواْ فِى مَنَاكِبِهَا ) * : أمر بالتصرف فيها والاكتساب ؛ ومناكبها ، قال ابن عباس وقتادة وبشر بن كعب : أطرافها ، وهي الجبال . وقال الفراء والكلبي ومنذر بن سعيد : جوانبها ، ومنكبا الرجل : جانباه . وقال الحسن والسدي : طرفها وفجاجها . قال الزمخشري : والمشي في مناكبها مثل لفرط التذليل ومجازوته الغاية ، لأن المنكبين وملتقاهما من الغارب أرق شيء من البعير وأنبأه عن أن يطأه الراكب بقدمه ويعتمد عليه ، فإذا جعلها في الذل بحيث يمشي في مناكبها لم ينزل . انتهى . وقال الزجاج : سهل لكم السلوك في جبالها فهو أبلغ التذليل . * ( وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ) * : أي البعث ، فسألكم عن شكر هذه النعمة عليكم .
وقوله عز وجل : * ( مَّن فِى السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الاْرْضَ فَإِذَا هِىَ تَمُورُ أَمْ * أَمْ أَمِنتُمْ مّن فِى السَّمَاء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ
تفسير البحر المحيط — صفحة 295
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٢٩٥