أخبر تعالى أنه لا تفاوت في خلقه ، أمر بترديد البصر في الخلق المناسب فقال : * ( فَارْجِعِ ) * ، ففي الفاء معنى التسبب ، والمعنى : أن العيان يطابق الخبر . و * ( * الفطور ) * ، قال مجاهد : الشقوق ، فطر ناب البعير : شق اللحم وظهر ، قال الشاعر :
* بنى لكم بلا عمد سماء
*
وسوّاها فما فيها فطور
*
وقال أبو عبيدة : صدوع ، وأنشد قول عبيد بن مسعود :
* شققت القلب ثم رددت فيه
*
هواك فليط فالتأم الفطور
*
وقال السدي : خروق . وقال قتادة : خلل ، ومنه التفطير والانفطار . وقال ابن عباس : وهن وهذه تفاسير متقاربة ، والجملة من قوله : * ( الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ ) * في موضع نصب بفعل معلق محذوف ، أي فانظر هل ترى ، أو ضمن معنى * ( فَارْجِعِ الْبَصَرَ ) * معنى فانظر ببصرك هل ترى ؟ فيكون معلقاً . * ( ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ ) * : أي ردده كرتين هي تثنية لا شفع الواحد ، بل يراد بها التكرار ، كأنه قال : كرة بعد كرة ، أي كرات كثيرة ، كقوله : لبيك ، يريد إجابات كثيرة بعضها في إثر بعض ، وأريد بالتنثية التكثير ، كما أريد بما هو أصل لها التكثير ، وهو مفرد عطف على مفرد ، نحو قوله :
* لو عدّ قبر وقبر كان أكرمهم
*
بيتاً وأبعدهم عن منزل الذام
*
يريد : لوعدت قبور كثيرة . وقال ابن عطية وغيره : * ( كَرَّتَيْنِ ) * معناه مرتين ونصبها على المصدر . وقيل : أمر برجع البصر إلى السماء مرتين ، غلط في الأولى ، فيستدرك بالثانية . وقيل : الأولى ليرى حسنها واستواءها ، والثانية ليبصر كواكبها في سيرها وانتهائها . وقرأ الجمهور : * ( يَنقَلِبَ ) * جزماً على جواب الأمر ؛ والخوارزمي عن الكسائي : يرفع الباء ، أي فينقلب على حذف الفاء ، أو على أنه موضع حال مقدرة ، أي إن رجعت البصر وكررت النظر لتطلب فطور شقوق أو خللاً أو عيباً ، رجع إليك مبعداً عما طلبته لانتفاء ذلك عنها ، وهو كالّ من كثرة النظر ، وكلاله يدل على أن المراد بالكرتين ليس شفع الواحد ، لأنه لا يكل البصر بالنظر مرتين اثنتين . والحسير : الكال ، قال الشاعر :
* لهن الوجى لم كر عوناً على النوى
*
ولا زال منها ظالع وحسير
يقال : حسر بعيره يحسر حسوراً : أي كلّ وانقطع فهو حسير ومحسور ، قال الشاعر يصف ناقة :
فشطرها نظر العينين محسور
*
أي : ونحرها ، وقد جمع حسير بمعنى أعيا وكل ، قال الشاعر :
بها جيف الحسرى فأما عظامها
البيت .
* ( السَّمَاء الدُّنْيَا ) * : هي التي نشاهدها ، والدنو أمر نسبي وإلا فليست قريبة ، * ( بِمَصَابِيحَ ) * : أي بنجوم مضيئة كالمصابيح ، ومصابيح مطلق الأعلام ، فلا يدل على أن غير سماء الدنيا ليست فيها مصابيح . * ( وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لّلشَّيَاطِينِ ) * : أي جعلنا منها ، لأن السماء ذاتها ليست يرجم بها الرجوم هذا إن عاد الضمير في قوله : * ( وَجَعَلْنَاهَا ) * على السماء .
تفسير البحر المحيط — صفحة 293
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٢٩٣