فعلنا بثمود ، وهو استئصالنا لهم بالتدمير ، وخلاء مساكنهم منهم ، وبيوتهم هي بوادي القرى بين المدينة والشام .
* ( وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ ءامَنُواْ ) * ، أي بصالح من العذاب الذي حل بالكفار ، وكان الذين آمنوا به أربعة آلاف ، خرج بهم صالح إلى حضرموت ، وسميت حضرموت لأن صالحاً عليه السلام لما دخلها مات بها ، وبنى المؤمنون بها مدينة يقال لها : حاضورا . وأما الهالكون فخرج بأبدانهم خراج مثل الحمص ، احمر في اليوم الأول ، ثم اصفر في الثاني ، ثم اسود في الثالث ، وكان عقر الناقة يوم الأربعاء ، وهلكوا يوم الأحد . قال مقاتل : تفتقت تلك الخراجات ، وصاح جبريل عليه السلام بهم صيحة فحمدوا .
* ( وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرّجَالَ * شَهْوَةً مّن دُونِ النّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُواْ ءالَ لُوطٍ مّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ * فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ * وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَسَاء مَطَرُ الْمُنذَرِينَ ) * .
* ( وَلُوطاً ) * : عطف على * ( صَالِحاً ) * ، أي وأرسلنا لوطاً ، أو على * ( الَّذِينَ كَفَرُواْ ) * ، أي وأنجينا لوطاً ، أو باذكر مضمرة ، وإذ بدل منه ، أقوال . و * ( أَتَأْتُونَ ) * : استفهام إنكار وتوبيخ ، وأبهم أولاً في قوله : * ( الْفَاحِشَةُ ) * ، ثم عينها في قوله : * ( أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرّجَالَ ) * ، وقوله : * ( وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ ) * : أي تعلمون قبح هذا الفعل المنكر الذي أحدثتموه ، وأنه من أعظم الخطايا ، والعلم بقبح الشيء مع إتيانه أعظم في الذنب ، أو آثار العصاة قبلكم ، أو ينظر بعضكم إلى بعض لا يستتر ولا يتحاشى من إظهار ذلك مجانة وعدم اكتراث بالمعصية الشنعاء ، أقوال ثلاثة . وانتصب * ( شَهْوَةً ) * على أنه مفعول من أجله ، و * ( تَجْهَلُونَ ) * غلب فيه الخطاب ، كما غلب في * ( بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ ) * . ومعنى : * ( تَجْهَلُونَ ) * ، أي عاقبة ما أنتم عليه ، أو تفعلون فعل السفهاء المجان ، أو فعل من جهل أنها معصية عظيمة مع العلم أقوال . ولما أنكر عليهم ونسب إلى الجهل ، ولم تكن لهم حجة فيما يأتونه من الفاحشة ، عدلوا إلى المغالبة والإيذاء ، وتقدم معنى يتطهرون في الأعراف . وقرأ الجمهور : * ( جَوَابَ ) * بالنصب ؛ والحسن ، وابن أبي إسحاق : بالرفع ، والجمهور : * ( قَدَّرْنَاهَا ) * ، بتشديد الدال ؛ وأبو بكر بتخفيفها ، وباقي الآية تقدم تفسير نظيره في الأعراف . وساء : بمعنى بئس ، والمخصوص بالذم محذوف ، أي مطرهم .
* ( قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى * اللَّهِ خَيْرٌ * أَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ خَلَقَ * السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ * وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا أَإِلَاهٌ مَّعَ اللَّهِ ) * .
لما فرغ من قصص هذه السورة ، أمر رسوله صلى الله عليه وسلم ) بحمده تعالى والسلام على المصطفين ، وأخذ في مباينة واجب الوجود ، الله تعالى ، ومباينة الأصنام والأديان التي أشركوها مع الله وعبدوها . وابتدأ في هذا التقرير لقريش وغيرهم بالحمدلة ، وكأنها صدر خطبة لما يلقى من البراهين الدالة على الوحدانية والعلم والقدرة . وقد اقتدى بذلك المسلمون في تصانيف كتبهم وخطبهم ووعظهم ، فافتتحوا بتحميد الله ، والصلاة على محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ، وتبعهم المترسلون في أوائل كتب الفتوح والتهاني والحوادث التي لها شأن . وقيل : هو متصل بما قبله ، وأمر الرسول عليه السلام بتحميد الله على هلاك الهالكين من
تفسير البحر المحيط — صفحة 83
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٨٣