العامل في إذا ، المعنى : إذا كان ذلك استبشروا . انتهى . أما قول الزمخشري : فلا أعلمه من قول من ينتمي للنحو ، وهو أن الظرفين معمولان لعامل واحد ، ثم إذا الأولى ينتصب على الظرف ، والثانية على المفعول به . وأما قول الحوفي فبعيد جدًّا عن الصواب ، إذ جعل إذا ماضفة إلى الابتداء والخبر ، ثم قال : وإذا مكررة للتوكيد وحذف ما تضاف إليه ، فكيف تكون مضافة إلى الابتداء والخبر الذي هم يستبشرون ؟ وهذا كله يوجبه عدم الإتقان لعلم النحو والتحدث فيه ، وقد تقدم لنا في مواضع إذا التي للمفاجأة جواباً لإذا الشرطية ، وقد قررنا في علم النحو الذي كتبناه أن إذا الشرطية ليست مضافة إلى الجملة التي تليها ، وإن كان مذهب الأكثرين ، وأنها ليست بمعمولة للجواب ، وأقمنا الدليل على ذلك ، بل هي معمولة للفعل الذي يليها ، كسائر أسماء الشرطية الظرفية ، وإذا الفجائية رابطة لجملة الجزاء بجملة الشرط ، كالفاء ؛ وهي معمولة لما بعدها . إن قلنا إنها ظرف ، سواء كان زماناً أو مكاناً . ومن قال إنها حرف ، فلا يعمل فيها شيء ، فإذا الأولى معمولة لذكرهم ، والثانية معمولة ليستبشرون . ولما أخبر عن سخافة عقولهم باشمئزازهم من ذكر الله ، واستبشارهم بذكر الأصنام ، أمره أن يدعو بأسماء الله العظمى من القدرة والعلم ونسبة الحكم إليه ، إذ غيره لا قدرة له ولا علم تام ولا حكم ، وفي ذلك وصف لحالهم السئ ووعيد لهم وتسلية للرسول عليه السلام . وتقدم الكلام في * ( اللَّهُمَّ ) * في سورة آل عمران .
* ( وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ) * : تقدم الكلام على تشبيهه في العقود . * ( وَبَدَا لَهُمْ مّنَ اللَّهِ ) * : أي كانت ظنونهم في الدنيا متفرقة ، حسب ضلالاتهم وتخيلاتهم فيما يعتقدونه . فإذا عاينوا العذاب يوم القيامة ، ظهر لهم خلاف ما كانوا يظنون ، وما كان في حسابهم . وقال سفيان الثوري : ويل لأهل الرياء من هذه الآية . * ( وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ ) * : أي جزاء ما كانوا وما فيما كسبوا ، يحتمل أن تكون بمعنى الذي ، أي سيئات أعمالهم ، وأن تكون مصدرية ، أي سيئات كسبهم . والسيئات : أنواع ، العذاب سميت سيئات ، كما قال : * ( وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا ) * .
* ( فَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ وَلَاكِنَّ ) * .
تقدم في غير آية كون الإنسان إذا مسه الضر التجأ إلى الله ، مع اعتقادهم الأوثان وعبادتها . فإذا أصابتهم شدة ، نبذوها ودعوا رب السماوات والأرض ، وهذا يدل على تناقض آرائهم وشدة اضطرابها . والإنسان جنس وضر مطلق ، والنعمة عامة في جميع ما يسر ، ومن ذلك إزالة الضر . وقيل : الإنسان معين ، وهو حذيفة بن المغيرة . والظاهر أن ما في إنما كافة مهيئة لدخول إن على الجملة الفعلية ، وذكر الضمير في * ( أُوتِيتُهُ ) * ، وإن كان عائداً على النعمة ، لأن معناها مذكر ، وهو الأنعام أو المال ، على قول من شرح النعمة بالمال ، أو المعنى : شيئاً من النعمة ، أو لأنها تشتمل على مذكر ومؤنث ، فغلب المذكر . وقيل : ما موصولة ، والضمير عائد على ما ، أي قال : إن الذي أوتيته على علم مني ، أي بوجه المكاسب والمتاجر ، قاله قتادة ، وفيه إعجاب بالنفس وتعاظم مفرط . أو على علم من الله فيّ واستحقاق جزائه عند الله ، وفي هذا احتراز الله وعجز ومنّ على الله . أو على علم مني بأني سأعطاه لما فيّ من فضل واستحقاق ، بل هي فتنة إضراب عن دعواه أنه إنما أوتي على علم ، بل تلك النعمة فتنة وابتلاء . ذكر أولاً في * ( أُوتِيتُهُ ) * على المعنى ، إذ كانت ما مهيئة ، ثم عاد إلى اللفظ فأنث في قوله * ( بَلْ هِىَ ) * ، أو تكون هي عادت على الإتيان ، أي بل إتيانه النعمة فتنة . وكان العطف هنا بالفاء في فإذا ، بالواو في أول السورة لأنها وقعت مسببة عن قوله : * ( وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ ) * ، أي يشمئزون عند ذكر الله ، ويستبشرون بذكر آلهتهم . فإذا مس أحدهم
تفسير البحر المحيط — صفحة 415
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٤١٥