تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البحر المحيط — صفحة 392

مساهمون:

ص٣٩٢
فمضى تفسير . * ( فَإِذَا سَوَّيْتُهُ * فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً * وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَئِكَةِ اسْجُدُواْ لادَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ ) * : تقدم الكلام على هذا في الحجر ، وهنا * ( اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) * ، وفي البقرة : * ( أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) * ، وفي الأعراف : * ( لَمْ يَكُن مّنَ السَّاجِدِينَ ) * ، وفي الحجر : * ( أَبَى أَن يَكُونَ * مّنَ السَّاجِدِينَ ) * ، وفي الإسراء : * ( قَالَ أَءسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا ) * ، وفي الكهف : * ( كَانَ مِنَ الْجِنّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ ) * . والاستثناء في جميع هذه الآيات يدل على أنه لم يسجد ، فتارة أكد بالنفي المحض ، وتارة ذكر إبايته عن السجود ، وهي الأنفة من ذلك ، وتارة نص على أن ذلك الامتناع كان سببه الاستكبار . والظاهر أن قوله : * ( وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) * أريد به كفره ذلك الوقت ، وإن لم يكن قبله كافراً ؛ وعطف على استكبر ، فقوى ذلك ، لأن الاستكبار عن السجود إنما حصل له وقت الأمر . ويحتمل أن يكون إخباراً منه بسبق كفره في الأزمنة الماضية في علم الله . * ( قَالَ يَاءادَمُ * إِبْلِيسَ * مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ ) * ، وفي الأعراف : * ( مَا مَنَعَكَ أَن * لاَ تَسْجُدُواْ ) * ، فدل أن تسجد هنا ، على أن لا في أن لا تسجد زائدة ، والمعنى أيضاً يدل على ذلك ، لأنه لا يستفهم إلا عن المانع من السجود ، وهو استفهام تقرير وتوبيخ . وما في * ( لِمَا خَلَقْتُ ) * ، استدل بها من يجيز إطلاق ما على آحاد من يعقل ، وأول بأن ما مصدرية ، والمصدر يراد به المخلوق ، لا حقيقة المصدر . وقرأ الجحدري : لما بفتح اللام وتشديد الميم ، خلقت بيدي ، على الإفراد ؛ والجمهور : على التثنية ؛ وقرئ بيديّ ، كقراءة بمصرخي ؛ وقال تعالى : * ( مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا ) * بالجمع ، وكلها عبارة عن القدرة والقوة ، وعبر باليد ، إذ كان عند البشر معتاداً أن البطش والقوة باليد . وذهب القاضي أبو بكر بن الطيب إلى أن اليد صفة ذات . قال ابن عطية : وهو قول مرغوب عنه . وقرأ الجمهور : * ( أَسْتَكْبَرْتَ ) * ، بهمزة الاستفهام ، وأم متصلة عادلت الهمزة . قال ابن عطية : وذهب كثير من النحويين إلى أن أم لا تكون معادلة للألف مع اختلاف الفعلين ، وإنما تكون معادلة إذا دخلنا على فعل واحد ، كقولك : أزيد قام أم عمرو ؟ وقولك : أقام زيد أم عمرو ؟ فإذا اختلف الفعلان كهذه الآية ، فليست معادلة . ومعنى الآية : أحدث لك الاستكبار الآن ، أم كنت قديماً ممن لا يليق أن تكلف مثل هذا لعلو مكانك ؟ وهذا على جهة التوبيخ . انتهى . وهذا الذي ذكره عن كثير من النحويين مذهب غير صحيح . قال سيبويه : وتقول أضربت زيداً أم قتلته فالبدء هنا بالفعل أحسن ، لأنك إنما تسأل عن أحدهما ، لا تدري أيهما كان ، ولا تسأل عن موضع أحدهما ، كأنك قلت : أي ذلك كان ؟ انتهى . فعادل بأم الألف مع اختلاف الفعلين . * ( مِنَ الْعَالِينَ ) * : ممن علوت وفقت . فأجاب بأنه من العالين ، حيث قال * ( أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ ) * . وقيل : استكبرت الآن ، أو لم تزل مذ كنت من المستكبرين ؟ ومعنى الهمزة : التقرير . انتهى . وقرأت فرقة ، منهم ابن كثير وغيره : استكبرت ، بصلة الألف ، وهي قراءة أهل مكة ، وليست في مشهور ابن كثير ، فاحتمل أن تكون همزة الاستفهام حذفت لدلالة أم عليها ، كقوله : بسبع رمين الجمر أم بثمان واحتمل أن يكون إخباراً خاطبه بذلك على سبيل التقريع ، وأم تكون منقطعة ، والمعنى : بل أنت من العالين عند نفسك استخفافاً به . * ( قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ) * : تقدم الكلام على ذلك في الأعراف . * ( قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا ) * إلى قوله : * ( إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ) * : تقدم الكلام على مثل ذلك في الحجر ، إلا أن هنا * ( لَعْنَتِى ) * وهناك * ( اللَّعْنَةَ ) * أعم . ألا ترى إلى قوله : * ( أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ) * ؟ وأما بالإضافة ، فالعموم في اللعنة أعم ، واللعنات إنما تحصل من جهة أن عليه لعنة الله كانت عليه لعنة كل لاعن ، هذا من جهة المعنى ، وأما باللفظ فيقتضي التخصيص . * ( قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لاَغْوِيَنَّهُمْ ) * : أقسم إبليس هنا بعزة الله ، وقال في الأعراف : * ( فِيمَا * أَغْوَيْتَنِى لاقْعُدَنَّ ) * ، وفي الحجر : * ( رَبّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى لازَيّنَنَّ ) * . وتقدم الكلام عليهما في موضعهما ، وأن من المفسرين من قال : إن الباء في : بما أغويتني ، وفي : فبما أغويتني ليست باء القسم . فإن كانت باء القسم ، فيكون ذلك في موطئين : فهنا : * ( لاَغْوِيَنَّهُمْ ) * ، وفي الأعراف : * ( لاقْعُدَنَّ ) * ، وفي الحجر : * ( لازَيّنَنَّ ) * . وقرأ الجمهور : فالحق ، بنصبهما . أما الأول فمقسم به ، حذف منه الحرف كقوله : * ( * أمانة الله لأقومن ) * ، والمقسم